2011/10/22

ورحل سلطان الخير

شذرات قلم
ورحل سلطان الخير



أحسن الله العزاء وجبر المصاب في فقيد البلاد والأمة سلطان الخير صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – الذي نعاه أخاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية – ولم يكن لينعيه إلا لمقداره ومكانته الخاصة في قلبه، وليخفف المصاب الجلل على الأمة لفقد هذا الرجل الذي نذر نفسه في خدمة البلاد والعباد من نعومة أظفاره من كل موقع شرف بخدمة الوطن والمواطن من خلاله – رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه – .

رحل سلطان الخير من هذه الدنيا، والرحيل ... سنة الله في خلقة، فالكل راحلون ... آباء وأبناء وأقارب وأصدقاء وزملاء ومشاهير ونحن من بينهم راحلون، كانوا بيننا وأمام أعيننا فرحلوا وهم في قلوبنا باقون ... ولكن لم ولن ترحل ذكراهم العطرة.

فمكانة سلطان الخير وأعماله تجعلنا نذكره ولا ننساه، ونحزن لفراقه لما اتصف به من صفات فريدة وهمة عاليه مكنته من الدخول إلى قلوب الناس مباشرة لما كان عليه – رحمه الله – من خلق رفيع ومحبة للخير وقرب من الناس وتواضع للكبير وعطف على الصغير وموردًا متدفقًا لكل من عناه وقصده، لما يملكه من قلب رقيق، وابتسامة عريضة لا تفارق محياه، تدل على حبه الكبير والعلاقة القوية التي تربطه بكل مواطن أينما كان؛ وهذا لما كان يتمتع به من شكر المنعم على ما به من نعم.

نبكي سلطان الخير اليوم؛ ولا نبكيه – رحمه الباري عز وجل – اعتراضًا – حاشى الله أن نعترض على أمر قضاها الله – سبحانه وتعالى – ولكن نبكيه لما كان عليه من خلق وأخلاق وتعامل وتواصل وحب للخير وعطف على الفقراء والمساكين وخدمة لكتاب الله ولسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – وللأعمال الخيرية الكثيرة والجليلة التي تحولت لأعمال مؤسسية منظمة لتكون صروحًا خيرية شاهدة له في هذه الحياة الدنيوية وخيرها باقي له بإذن الله إلى قيام الساعة، فهنيئًا لك يا سلطان الخير بما قدمت من أعمال بر وإحسان وسجل ضخم من المواقف والأعمال الإنسانية والخيرية الوطنية المتميزة والفريدة.

تلك الأعمال التي حركت مشاعر الحب والتقدير والوفاء لك من شهود الله في أرضه، داخل الوطن وخارجه؛ ليرفعوا أكف الضراعة للمولى – عز وجل – أن يغفر لك ويجازيك بخير ما يجازي به عباده الصالحين وأن يجعل الفردوس دارك ومقامك.

ولعلي هنا أستحضر هذه القصة لذاك الرجل من السنغال الذي تقطعت به الأسباب بعد أن وصل للمملكة باحثًا عن فرصة لطلب العلم والمعرفة في التسعينات الهجرية، حتى وصلت به الطريق التي يسير فيها إلى باب الأمير سلطان بن عبدالعزيز، فسأل هذا بيت من؟ وعندما أخبروه الحراس الذين على الباب، قال : أنا أريد منحة دراسية فهل يشفع لي الأمير بها؟ فقيل له قدم طلبك، فقدم طلبه الذي قوبل بالتوجيه الصريح بمنحة دراسية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ لإكمال دراسته من المرحلة المتوسطة؛ ومنحه تذاكر درجة أولى ليذهب ويحضر أوراقه وزوجته من السنغال، فكانت له فرصة الدراسة حتى نهاية الجامعة، ليعود لبلاده حاملاً العلم والمعرفة والذكرى الطيبة لهذا الأمير الذي وجه بقبوله دون أن يقابله، بل منحه تذاكر السفر والمصاريف.

وصدق من قال من وصل إلى سلطان الخير انتهى همه وغمه للأبد، وما أكثر من وصل وكانت له السعادة دون أن يعلم بذلك أحد؛ لكن الله – سبحانه وتعالى – أعلم بذلك كله وهو محتفظ بتلك الأعمال ومنميها لعبده ليسعد بها في آخرته في جنة عرضها السماوات والأرض.

فالعزاء العزاء لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – متعه الله بالصحة والعافية – ولكافة الأسرة المالكة وللشعب السعودي وكل مسلم ومخلوق على هذه البسيطة بفقد هذا القامة الإنسان الأمير الأخ الوالد الابن البار، الذي فجع بفقده العالم صباح هذا اليوم السبت 24/11/1432هـ؛ إنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم إنا نسألك أن تتغمده بواسع رحمتك وأن تسكنه فسيح جنانك وأن تجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن تجازيه بخير ما تجازي به عبادك الصالحين، اللهم وجعل ما قدمه من خير شاهدًا له وشفيع له، اللهم وجعله ممن يأخذ كتابه بيمينه وممن يردون الحوض المورود، اللهم وأعلي منازله في الجنة وجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء، إنك – سبحانك – سميع مجيب الدعاء.

ألهمنا الله وإياكم الصبر والسلوان، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
24/11/1432هـ

نشرت هذه الشذرات في صحيفة الجزيرة
العدد رقم ( 14269 ) صفحة ( 81 )
يوم الأحد الموافق 25/11/1432هـ
http://www.al-jazirah.com/20111023/vi70d.htm
كما نشرت في
صحيفة أثير الإلكترونية
http://www.atheer3.com/articles.php?action=show&id=1181

2011/10/16

يستطيع الرافضة قتل الملك عبدالله

شذرات قلم
نعم يستطيع الرافضة قتل الملك عبدالله
كما يستطيعون التصرف بالجنة

كم نحن سذج ودراويش عندما يستفزنا أو يحرك شعرة من رؤوسنا ذاك التصريح المتخبط من ذاك الرافضي المجوسي الإيراني المدعو ( مهدي طيب ) [ http://sabq.org/sabq/user/news.do?section=5&id=31834 ] معتقدًا بأننا من هؤلاء المساكين الذين ضحك عليهم ( بصكوك الغفران ) التي يمنحونها للسذج من أتباعهم المغفلين ليحصلوا منهم على الغنائم والهبات والأموال بغير وجه حق، تشابهوا في عملهم هذا مع كهنة وباباوات النصارى الذين يصدرون صكوك الغفران لكل مذنب، وطبعًا الرافضة هم أمة الخمس والمتعة وعبودية الدنيا والفروج والشهوات.

في الأمس القريب يطلق تصريحًا ناريًا ضد محمود أحمدي نجاد، يتهمه بأنه من أصول يهودية وأنه وراء الحملات الشرسة ضد السعودية وأنه قائد بث روح الفتنة وإزكائها في السعودية، واليوم يأتي بتصريح مخالف للأول في تخبط واضح أن هؤلاء المعممين يسيرون على غير هدى ولا تقى ونور مبين.

عبدالله بن عبدالعزيز، ليس هدفًا سهلاً، ولا نيشانًا تتبارز عليه أنت وأسيادك؛ بل هو فارس من صلب فارس حوله ودونه أسود تفديه بكل غالي ونفيس وأرواحهم في مقدمة ما تفديه بها، وقبل هذا وذاك هو بحماية الله – سبحانه وتعالى – لأنه رجل مؤمن بالله متوكل عليه في كل أمر من أموره، فلا تخيفه ولا تزعزعه مثل تلك الترهات المتخبطة من الرافضة أحفاد المجوس وأذناب اليهود وعملاء خونة لا ولاء لهم؛ لا لأوطانهم ولا أمتهم، ناقضي العهود والمواثيق.

خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله ورعاه – وشعبه قريري العين أمنين مطمئنين لا هم لهم في هذه الأيام إلا السهر على خدمة وراحة ضيوف الرحمن الذين يتوافدون هذه البلاد المباركة لأداء مناسك الحج ملبين لنداء ربهم، وتحفهم العناية الإلهية ليعود بعد أداء نسكهم لأوطانهم وهم يرفعون أكف الضراعة حمدًا وشكرًا لله على ما أنعم به عليهم، وألسنتهم تردد كل معاني الحب والتقدير والشكر لخادم الحرمين الشريفين وحكومته وشعب المملكة العربية السعودية على ما لقيوه من كرم ضيافة وحسن استقبال ورعاية واهتمام بهم وتوفير كل وسائل الراحة لهم.

أما أنتم فلنا التفاتة عليكم في يوم قريب بإذن الله لتعلموا من صاحب القول الصادق والوعد النافذ.

حفظ الله قائدنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من كيد الكائدين والحاقدين الناقمين ومن كل سوء وأمد بعمره والبسه ثياب الصحة والعافية وجعله مباركًا ومنارة لكل خير، وحفظ بلادنا ومقدراتها من عبث العابثين ناكري الجميل وناقضي العهود والمواثيق وأدم على بلاد الحرمين أمنها واستقرارها وحب شعبها لبعضهم وتألفه فيما بينهم وبين القيادة الرشيدة .

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
18/11/1432هـ

2011/10/13

ما بين طلب الإمارة والترشيح لها

شذرات قلم

ما بين طلب الإمارة والترشيح لها

يحرص الخلق على الإمارة؛ وتولي الرئاسة والإدارة وقيادة الأمة – إلا من رحم الله منهم – وهذه ‏جبلة جبل عليها الناس في حب الإمارة والزعامة، حتى أفضت إلى النزاعات والخلافات وظهور ‏المفاسد وتفشي الفتن بين الناس والأمم؛ لكثرة من يتولى الإمارة من غير أهلها ومستحقيها.‏

وقد ورد النهي النبوي الصريح من نبي الهدى – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم – عندما قال ‏لعبدالرحمن بن سمرة – رضي الله عنه – : (يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإن أُعطيتها ‏عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنتَ عليها..). ‏

كما جاء التحذير من نبينا من طلب الإمارة بقوله – صلى الله عليه وسلم – : (إنكم ستحرصون على ‏الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة وبِئْست الفاطمة).‏

وطلب الإمارة يفضي إلى مظاهر عديدة وأمراض خطيرة تنعكس سلبًا على صاحبها وعلى من تحت ‏يده والمجتمع بأسره، ومن هذه المظاهر: (العجب بالنفس والإصرار على الرأي وعدم التنازل عنه وإن ‏ظهر خطأه وبطلانه بالحجة والدليل، والعمل على بيان عيوب الآخرين ونقد أعمالهم وأفكارهم ‏ومقترحاتهم، وتصدر المجالس والمنابر بغض النظر عن أهليته لها، والتعسف في استخدام السلطة ‏عندما يكون رئيسًا والتهرب منها عندما يكون مرؤوسًا) وغير ذلك من المظاهر، التي يقوده إليها فساد ‏النية وعدم الإخلاص وضعف النفس ودنو الهمة وإتباع الهوى وارتكاب المخالفات من أجل تحقيق ‏المصالح الشخصية التي تطيل مدة مكثه على كرسي الإمارة.‏

لذا يتبين لنا منافع التحذير النبوي من طلب الإمارة لما تفضي إليه، أما طلب الوظيفة المناسبة ‏لتخصص الإنسان ومستواه العلمي وقدراته المهنية فهذا مطلب تستدعيه المصلحة ولا أظنه داخل تحت ‏طلب الإمارة؛ بل هو التكامل والتوازن في شغل الموقع المناسب ليفيد ويقدم ما يستطع أن ينفع به ‏الأمة من خلال الوظيفة التي تناسبه وتناسب قدراته وإمكاناته.‏

وحال الإمارة تعطى ولا تسأل؛ وهي تكليف وليست تشريف، فمتى أعطيت للإنسان وكان أهل لها ‏وقادرًا على القيام بمهامها قبلها وتحملها وكان له من الله العون والتوفيق؛ ومتى وأعطيت له وعلم في ‏نفسه عدم القدرة والأهلية لها اعتذر عنها وكان له من الله الأجر والثواب ومن المعطي التقدير ‏والاحترام " ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه " فهي أمانة تقوم عليها حقوق وواجبات ومسؤوليات ‏عظيمة، تثقل الكاهل وتحيط بالعنق.‏

وهناك فرق بين طلب الإمارة وعرضها، والاتهام بطلبها من عارضها !!!!‏

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
15/11/1432هـ

2011/10/10

العودة للوطن


شذرات قلم

العودة للوطن







قُبيل السفر خارج الوطن يشعر الإنسان بمشاعر تدغدغه فرحًا وبهجة لهذا السفر الذي يغترب فيه ‏عن وطنه لأي سبب كان؛ للسياحة أو الدراسة أو العمل أو العلاج أو للتجارة أو غير ذلك من ‏الأسباب التي تجعله يشد الرحال مسافرًا عن وطنه.‏

إلا أن هذه المشاعر تختلف تمامًا عن تلك المشاعر التي يشعر بها عند بدء العد التنازلي للعودة ‏للوطن؛ بغض النظر إلى هذا الوطن كان غنيًا أو فقيرًا، مستقرًا أو مضطربًا، إلا أن الفرحة تكون ‏عارمة إلى حد لا يستطيع العائد لوطنه وصفه بأي وصف من الأوصاف وإن وصفه فهو وصف ‏مقل.‏

سبحان الله عندما نكون داخل أوطاننا لا نشعر بالحنين كما نشعر به عندما نكون بعيدين عنه، فكم ‏هو جميل هذا الشعور بالعودة للوطن والسير على ترابه، وكم هو جميل أيضًا عندما تكون العودة ‏للوطن مقرونة بتحقق ونجاح الأمر الذي كان من أجله البعد عن الوطن، لتكون الفرحة فرحتين؛ ‏فرحة العودة للوطن وفرحة تحقق الهدف الذي كان وراء هذه الغربة.‏

لا أخفيكم بأنني لم استطع النوم استعدادًا لرحلة العودة والتي موعد إقلاعها غدًا عند الغروب ‏والآن الوقت قبل الفجر، وكأني بالوقت توقف وساعتي لا تدور عقاربها بالاتجاه الصحيح؛ حيث ‏أنني أعدت حقائبي وجميع أغراض؛ بل أنني جهزت نفسي للخروج للمطار منذ الساعة الحادية ‏عشرة ليلاً !!‏

هذا وأنا لم أغب عن الوطن إلا أيام؛ فكيف بمن غاب عن الوطن أشهر وسنوات، بل كيف هي ‏مشاعر من حرم من وطنه وتشرد في أصقاع المعمورة لاجئ هنا أو هناك؛ كما هي حال كثير من ‏إخواننا الفلسطينيين الذين شردهم اليهود من بلادهم، وكذلك إخواننا السوريين الذين شردهم نظام ‏الأسد من أوطانهم، وغيرهم ممن أجبرتهم الحروب الأهلية والصراعات السياسية على البعد عن ‏أوطانهم والعيش خارجها ينتظرون ويترقبون ساعة العودة للوطن الأم.‏

كم هي مشاعر الشوق والحنين للوطن ملتهبة ومرتفعة لدى كل مغترب عن وطنه، فهي لحظات ‏جميلة لا تكاد توصف بأي وصف، بل يعجز اللسان عن وصفها والبيان يقصر عن نثر حروفها ‏وكيف لا وهو عائد إلى الحضن الدافئ والصدر الحنون والقلب الكبير وطنه الرؤوم وإن قسا، فكم ‏لنسماته من عبق فريد عند استنشاقه، حتى إن كان هذا النسيم ملتهب من حرارة الصيف أو ‏متجمدًا من قسوة الشتاء؛ إلا أن عبقها لا يجاريه أي نسيم.‏

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
مانيلا
قُبيل فجر يوم الثلاثاء
13/11/1432هـ

2011/10/09

الإنـتـمـــاء

شذرات
قلم

الانـتـمـــاء



الانتماء للوطن نابع من حبه، وحب الوطن غريزة جبلية فطر عليها الإنسان، وكذا الحيوان وسائر ‏المخلوقات، فهي تحب أوطانها وتنتمي إليها ومتى غادرتها بأي سبب كان تغيرت حالتها وأسلوب ‏حياتها لكي تتأقلم مع الموطن الجديد الذي تعيش فيه؛ مع حنينها لموطنها الأصلي الذي رامته ونشأت ‏فيه، وتموت وهي تفكر بالعودة إليه إن لم تكتب لها العودة.‏

وقد عززت شريعتنا الإسلامية السمحة ذلك، بل أن هناك من جعل حب الوطن والانتماء إليه عقيدة ‏يدين الله بها، وعقيدة الانتماء واسعة لا حدود لها؛ فكل ينتمي لما يحب ويعشق، إلا أن الانتماء للوطن ‏يبقى هو الأصل والأساس بين سائر الانتماءات، وهو المهيمن عليها عند الانتماء للقومية أو للثقافة أو ‏للهوية أو للأمة، فالانتماء للوطن هو الجامع لكل الانتماءات، ويبرز صدق هذا الانتماء في مدى حب ‏الوطن والاعتزاز بالانضمام إليه والتضحية من أجله، للحفاظ على موطنه والمكان الذي يجد ذاته فيه ‏لارتباطه فيه منذ مولده ونموه فيه في أحضان أسرته ومحيط أقرانه وأقاربه وأصدقاءه ومجتمعه ‏وبيئته.‏

والانتماء ليس شعارات تردد، بل هو قيم مهمة تتمثل في قدر وقيمة الحب لهذا الوطن والمجتمع الذي ‏ينتمي إليه، ومقدار حرصه عليه وتفاعله معه في كل شؤونه وأموره التي تحقق الانتماء الحقيقي ‏وتماسك أركان الوطن ونجاحه في الصمود لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والعيش الرغيد، وبناء ‏حضارة وطنية على قاعدة صلبة من الحب والتعاون.‏

ولا شك أن هناك عوامل تعزز قوة درجة الانتماء للوطن؛ كوضوح الهوية وتحقيق العدالة وأداء ‏الحقوق والقيام بالواجبات بشكل تفاعلي دائم بين الأخذ والعطاء، واختلال أي منها ينعكس سلبًا على ‏قوة الانتماء؛ ولا يعني هذا الانفكاك الكامل عن الوطن والانتماء لغيره.‏

ولعل من أهم مقومات الانتماء للوطن وزراعتها في نفوس الناشئة هو ما تنميه وتزرعه الأسرة في ‏أبنائها من ولادتهم ليترعرعوا في تنشئتهم من محيط الأسرة إلى البيئة التي ينشؤون فيها من العائلة ‏والحارة والمسجد والمدرسة والمجتمع والإعلام لتكتمل تلك التنشئة بالوطن الكبير بعطائه لمواطنيه ‏وعدم حرمانهم من حقوقهم ليكون الانتماء منهم بأداء الواجبات، ولا يعني هذا أن الانتماء هو مصلحة ‏وتبادل منافع فقط، ولكن هذه مقومات ترسيخ الانتماء والحفاظ عليه وديمومته.‏

والانتماء ذو قيمة لا تقدر بثمن، وهو عاطفة جياشة داخل كل إنسان، تنبض بها عروقه ليضخ لنا قلبه ‏الحب وعقله الرشاد ليكون التوجيه الصحيح نحو الوطن ليشعر بالأمن والأمان بأحضان الوطن الدافئة ‏ليستقر ويستكن ويهدى روعه ويحميه من الشتات والضياع والاغتراب بين الأوطان، ليدفعه ذلك ‏للمشاركة الجادة في سبيل رفعة وطنه وتقديم النفس والنفيس فداء له.‏

وقد يكون من مظاهر هذا الانتماء؛ الاعتزاز باللغة الأم للوطن، وبالزي الوطني، والمصنوعات ‏الوطنية، والتمسك بالقيم العامة للوطن، دون النظر إلى مكونات الوطن من الأعراق والمذاهب ‏والثقافات واللهجات واللغات بكل روح تسامح وطنية عليا؛ دون المساس بالدين أو استنقاصه، وإنما ‏التسامح مع الآخر للعيش بود وسلام لصالح الوطن العام، خاصة في الأوقات العصيبة وأوقات الفتن ‏والمحن التي يكون الوطن بأمس الحاجة إلى الإنتماء الصادق من كل غيور على وطنه لتجنيبه ‏الأخطار.‏

وفقنا الباري لصدق الانتماء لوطننا الكبير بلاد الحرمين الشريفين ومهبط الوحي وقلب الإسلام ‏النابض، وحفظها من كل مكروه وأدام أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ لنا قيادتنا الرشيدة الراشدة، ‏وأمد بعمر إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده ‏الأمين وسمو النائب الثاني – حفظهم الله جميعًا وبارك في أعمارهم ومتعهم بالصحة والعافية والبسهم ‏لباس الإيمان والتقوى –.‏

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
مانيلا
11/11/1432هـ

2011/10/06

الوطن والمواطنة


شذرات
قلم

الوطن والمواطنة







المواطنة لا تكون بالشعارات والأهازيج والصيحات والتصريحات والمشاعر والأحاسيس ‏والعواطف الفارغة، وإنما تكون بعمق تلك المشاعر والأحاسيس والتعابير والأقوال ‏والأفعال والمواقف الصادقة والمخلصة نحو الوطن.‏

والمواطنة نسبة للوطن الذي يعيش فيه الإنسان وإليه ينتمي قلبًا وقالبًا بكل ما تعنيه كلمات ‏التعلق؛ ليكون الوطن هو الأول أمام ناظريه في كل ما يتعلق بالحياة الدنيوية، لأن الدين ‏وما يتعلق به من أحكام وأفعال وأعمال لا يقدم عليه شيء في الأصل.‏

ومن هذا الانتماء يكون حراك الفرد والمجتمع ضمن علاقات وطنية تتحقق فيها الواجبات ‏والمسؤوليات، وتكتمل من خلالها الأدوار ليتشكل الوطن بخصائص فريدة ومتميزة عن ‏غيره من الأوطان، بما ينعم به من الأمن والأمان والاستقرار والترابط والتراحم والتعاون ‏بين أفراد الوطن لبنائه لبنة لبنة والحفاظ عليه من أي مخاطر قد تهدد كيانه.‏

وإن كانت تلك التهديدات الخارجية توافق العرق أو الدين أو المذهب لمجموعة من أفراد ‏الوطن؛ فلا يلتفت إليها المواطن الصالح؛ لأنهم متى استسلموا لتلك الروابط انعدمت ‏وطنيتهم وكان انتمائهم لغير وطنهم، لأن المواطنة الحقيقية هي التي يندمج فيها الجميع ‏تحت مظلة الوطن، دون النظر إلى الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية ليكونوا بهذا ‏الاجتماع وطن ذا خصوصيات وقيم يحافظ عليها الجميع، لينعم الجميع بالأمن والصحة ‏والتعليم والعمل وغيرها من الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المواطن في وطنه، فمتى ‏تحققت الوطنية كان احترام النظام العام والعمل للحفاظ عليه وعلى الممتلكات العامة ‏والخاصة والدفاع عنها ليتحقق النمو والبناء والازدهار للوطن في كل أرجاءه.‏

إن المواطنة تستوجب حمل الهوية الوطنية الخاصة بالوطن، والتي تعني العمل لتطوير ‏وازدهار الوطن إلى درجة إنكار الذات من أجل الوطن، وليست المواطنة شكلية بحمل ‏بطاقة الهوية الوطنية، أو جواز سفر يحمل اسم وشعار الوطن، بل هي تجسيد في الغيرة ‏على الوطن ومقدراته، والاعتزاز والافتخار به، والانتماء إليه بشكل فعال في مختلف ‏المواقف.‏

فكيف إذا كان هذا الوطن هو المملكة العربية السعودية، هذا الوطن الذي حباه الله وأنعم ‏عليه بدولة تطبق الكتابة والسنة وهما مصدرا دستورها وبهما تعمل وإليهما تعود في كل ‏أمر يخصها ويخص الوطن وأبناء الوطن.‏

والمواطن إذا لم " يفتق ريقه " من مولده بحب الوطن والتربية على المواطنة، فإنه من ‏الصعب أن يتحول إلى مواطن صالح بين عشية وضحاها، لذا فإن دور الأسرة في تربية ‏أفرادها على المواطنة الحقيقية والسليمة، هو من أولوياتها في التربية والتنشئة لأبنائها، ‏وما ذلك إلا لأن التربية هي المحك وهي عامل التوازن بين الحق والباطل في مفاهيم ‏المواطنة متى ما شابها تعارض من أعداء الوطن الذين يحرصون على اختراق شباب ‏الأمة والتأثير عليهم ليستميلوهم إليهم ويفقدوهم انتمائهم لوطنهم الأم ليكون ولائهم لغير ‏وطنهم ويصبحوا بذرة فاسدة قد يصعب استصلاحها.‏

فالتربية على المواطنة هي صمام أمان للمحافظة على الهوية والوطنية والخصوصية ‏الثقافية والاجتماعية، ويضمن الانتماء الصادق للمواطن.‏

لذا فإن ما يميز ما يترب عليه أبناء هذا الوطن " المملكة العربية السعودية " هو ترسيخ ‏الهوية الإسلامية السعودية العربية، وحب الوطن والذود عنه وعن مقدساته وخدمته عبر ‏كل الوسائل والسبل التي تؤدي إلى ذلك.‏

فأي دولة لا تستطيع أن تغرس الانتماء الصادق لدى مواطنيها لوطنهم، دون أن يكون ‏هناك مربين منتمين في الأصل لهذا الوطن؛ فالمواطن المربي والدولة الوطنية تنتج انتماء ‏ومواطنة متأصلة وصادقة لا يشوبها أي شائبة، ويكون دور الدورة في غرس الانتماء ‏الوطني والمواطنة لدى النشء من خلال المدارس التعليمية في مختلف مراحل التعليم، ‏وتتأكد في المراحل الأولى من التعليم العام.‏

وهذا ولله الحمد والمنة متوافر في بلادنا بلاد الحرمين؛ فالبيوت تربي أطفالها منذ ولادتهم ‏ونعومة أظفارهم على حب الوطن والانتماء إليه، كما تعلمهم الشهادتين والدين الحنيف، ‏وكذا هم المعلمون والمعلمات وقيادات التربية والتعليم في مدارسنا يربون الطلاب ‏والطالبات على حب الوطن وفداءه بالغالي والنفيس، والعمل على رفعته وتقدمه والنهوض ‏به في كل المجالات، والذود عنه في كل المواقع التي تستوجب ذلك.‏

ومتى انعدمت المواطنة الصحيحة وشابتها أي شوائب، انتشرت في الوطن الفوضى ‏وانعدام الأمن والنظام وكانت اللامبالاة في تنمية الوطن وازدهاره وتحول الوطن إلى ديار ‏خربة لا حياة فيها.‏





شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
مانيلا
8/11/1432هـ

2011/10/02

الرؤى والأحلام والتعلق بها



شذرات قلم
الرؤى والأحلام والتعلق بها


الرؤى والأحلام إما أن تكون رؤية طيبة وبشارة للمؤمن، كما قال رسول الهدى عليه من ربي أفضل الصلاة وأزكى التسليم : ( فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر بها إلا من يحب )، أو رؤيا سيئة وهي من الشيطان ليحزن بها المؤمن، وقد أمرنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم بآداب يجب أن نتأدب بها عند هذه الرؤيا ومن ذلك، البصق عن اليسار (ثلاثًا)، والاستعاذة بالله من شرها وشر الشيطان (ثلاثًا) تغيير وضعية النوم وحالته إلى حالة أخرى، وعدم الحديث بها وذكرها لأحد، وكذلك الصلاة في حالة تكررت هذه الرؤى والكوابيس.

وهناك ما يعرف بأضغاث الأحلام، تلك الأحلام والمنامات التي تكون نتاج امتلاء البطن بالطعام والشراب وتخمته، وأحاديث النفس والمحيط بالنائم قبل النوم.

وأنا لست هنا لأتحدث عن المنامات والأحلام، ولكن لطرح ظاهرة تعلق الناس بها والتواكل عليها حتى وإن كانت من الشيطان أو وساوس نفس وأضغاث أحلام.

حتى بتنا اليوم لا نسمع ولا نقرأ ولا نشاهد في وسائل الإعلام المختلفة إلا مواضيع الرؤى والأحلام؛ بل أننا أصبحنا لا نتجاذب الأحاديث في مجالسنا وأعمالنا إلا بها وتفاسيرها والسؤال عن تفسيرات المعبرين والمؤولين لها؛ وهذه علامة خطيرة تدل على تعلقنا بها هذا التعلق الذي لا يكون إلا لضعف إيماننا بالله والتوكل عليه – سبحانه وتعالى – لنتعلق بالغيبيات؛ لتكون القشة التي نتعلق بها من الغرق فيما نعانيه من ضغوط نفسية وحياتية وأسرية واجتماعية ومالية، لنعيش بالوهم ونركن إليه بإرادتنا – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – لنتقوقع بعد ذلك خلف تلك الرؤيا والحلم ونضع أيدينا على خدودنا ننتظر تحقق ما تعلقنا به ونغتر بأحلامنا لنضيع كل أمر من بين أيدينا ونصبح بعد ذلك من النادمين الخاسرين، وما هذا إلا لجهلنا بأمور ديننا وبعدنا عن تعاليمها لنقع في الخطأ المهلك وننشغل بها ونقدسها وكأنها هي المخلص لنا مما نحن فيه من تفريط بواجباتنا الشرعية وأمور حياتنا اليومية.

حتى أنك تجد صاحب الرؤيا لا يترك أحدًا إلا وسأله عن رؤياه، أما أمور دينه فلا يسأل عنها بل أنه يخجل أن يسأل أحدًا من طلبة العلم حتى لا يقال عنه جاهل بأمر من أمور الدين، أما الرؤيا فيقيم الدنيا ولا يقعدها بالسؤال وتحري الإجابة التي تثلج صدره وتكون أقرب إلى رضى نفسه.

لذلك نجد من اعتلى منابر التعبير والتأويل واشغل نفسه بها وأشغل الناس بالتواصل معه للتعبير لهم والتأويل؛ بل أنها صارت تجارة من لا تجارة له، وأصبح بعضهم ينتقد ويستنقص غيره وأنه هو الهمام الضرغام الذي لا يشق له غبار في هذا الميدان.

في السابق كنا نرى في مقدمة المكتبات وفي زوايا المجالس بعض الكتب العلمية والشرعية كرياض الصالحين وأعمال اليوم والليلة والأدعية والأذكار وفتاوى الخاصة بالصوم والحج والزكاة والرجال والنساء وغيرها من الكتب العلمية الشرعية التي تنير لنا الطريق، أما اليوم فقد اختفت هذه الكتب ليحل محلها كتب تعبير وتفسير الرؤى والأحلام وتأويلها، وإن دل على شيء هذا فإنما يدل على عظم الجهل الذي أطبق علينا حتى صرنا ضحايا الوهم والنفس الأمارة بالسوء.

واعتذر لكم عن الإطالة والتفرع في الموضوع، ولكن لخطر أمر التعلق بالرؤى والأحلام، وما يشكله من خطر على عقيدتنا وإيمانًا الصادق بالله – عز وجل – الذي يجب أن نتحلى به ونكون عليه جعلني أدون تلك الشذرات مساهمة في التحذير منها، وإن كنت لست متخصصًا في هذا الميدان ولا طالب علم شرعي ولكن هي شذرات من القلب للقلب أرجو وآمل أن تصل للقلوب بكل صدق وإخلاص، لنعود للحق والصواب والإيمان بالقضاء والقدر، والبعد كل البعد والحذر لكل الحذر من تلك الأحلام أو التعلق بها أو العيش على أثرها بالوهم والبؤس والأحزان.

حفظني الله وإياكم من الأحلام والكوابيس والتعلق بها

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
4/11/1432هـ

نشرت في صحيفة أثير الالكترونية
http://www.atheer3.com/articles.php?action=show&id=1166