2011/05/03

قُتل ابن لادن !! ولكن ماذا عن الفكر اللادني ؟؟؟


شذرات
قلم


قُتل ابن لادن !!

ولكن ماذا عن الفكر اللادني ؟؟؟





في نظري أن زعيم القاعدة المطلوب الأول عالميًا "أسامة بن لادن" قد مات منذ أمد بعيد، وليس هذا اليوم الاثنين؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" مقتله؛ وقد حرص أن يعلن ذلك بنفسه وهذا بالطبع لما يشكله مقتله له من مصالح لا تخفى؛ وإلا لماذا قتل بهذا التوقيت؟ ولماذا هو من أعلن مقتله بنفسه؟

كم كنت أتمنى أن لا يقتل ابن لادن على أيدي الجنود الأمريكان ولا غيرهم من غير المسلمين، وهذا لما يترتب على ذلك من مفاسد قد لا تنتهي بمقتله، ولكن هذا ليس محل حديثي هنا؛ إذ أنني أتسأل هل ما نعاني منه محليًا وعالميًا هو شخص ابن لادن؟ أم هو الفكر اللادني؟

لا شك أن مقتله كان محل ارتياح كثير من الأوساط السياسية والشعبية عالميًا، إذ أن ذلك يعتبر ضربة قوية للتنظيم الذي يتزعمه؛ وإن كان متهالكًا في الأصل، وهناك من سوف يتولى القيادة خلفًا له، إلا أن خلو الساحة من رمزها الروحي هو بمثابة خطوة كبيرة للقضاء على التنظيم، وقد يتحقق ذلك، ولكن هل في هذا ضمان عدم نشؤ تنظيمات أخرى تحمل نفس الفكر والهدف والمخطط مع بعض التعديلات فيها؟

من البديهي أن أتباع التنظيم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء مقتل زعيمهم؛ بل أنهم سوف يتحركون وينشطون للانتقام له والأخذ بثأره، وهذه ردة فعل طبيعية، ولكن هل ينتهي الأمر عند ذلك الحد وكفى؟

بالطبع لا، لأن القضية هنا قضية فكرية وليست قضية شخصية، فالفكر الإرهابي هو ما يعاني من العالم بأسرة، هذا الفكر الذي أثر على سلوك الإنسان المعتنق له، هذا الاعتناق الذي يدل على وجود خلل في المعتقد وسلامته؛ هذا الخلل الذي يؤدي إلى منتجات فكرية خاصة يعتقد حاملها بصحتها دون النظر إلى شرعيتها وسلامتها واحتمال خطأها، وبالطبع هذا خلاف المنهج الصحيح الذي عليه سلف الأمة، وهذا ما خلق الصراعات والخلافات والتناحر، وظهور الأعمال الإرهابية والفكر الإرهابي اللادني وغير اللادني من الأفكار المعتلة ذات المعتقدات غير السوية.

ومن هذا المنطلق فإنه على الحكومات والشعوب والمؤسسات التربوية والتعليمية والعلمية والتوجيهية والإرشادية والدعوية، والعلماء والمفكرين والسياسيين والأدباء وأهل الحل والعقد دراسة الأسباب التي أدت إلى ظهور مثل تلك الأفكار المعتلة وانتشارها خاصة بين صفوف الشباب، والعمل على منع شباب الأمم من الانزلاق في هذا المستنقع الذي يعزز وجود الفكر الإرهابي بكل صورة وأشكاله وألوانه، ومعالجتها معالجة تؤدي إلى اجتثاثها من الأوطان وإغلاق كل مدارسها وحواضنها وما يتفرع عنها من قناديل قابلة للاشتعال في أي وقت، وتجفيف كل منابعها الفكرية والمادية والمعنوية، وهذا لما سوف يترتب على هذا العمل من سلامة الفكر وبالتالي سلامة المعتقد، وشيوع الأمن الذي بتوفره تتم عمارة الأرض عمارة حسية ومعنوية.

ولا يمكن قتل ابن لادن والقضاء على الفكر اللادني والسلوك الإرهابي حقيقة؛ إلا بمعرفة وتشخيص الأسباب المؤدية إلى انحراف الفكر من جذوره، ليتم التعامل معها وفق منهج سليم يؤدي للقضاء عليها بكل فاعلية.

فقد اتفق أهل الاختصاص في علوم العقائد أن كل عقيدة لها أثرها في شخصية التابعين لها والمؤمنين بها، فالعقيدة الصحيحة هي التي تشكل النظرة الحقيقية للحياة في صورتها البهية للعالم، فتعكس سلامة التصور لأمور الحياة والعلاقات الإنسانية والسلوكية، وتحكم منهج تقويم الأمور وإصدار الأحكام والحكم عليها، ويُعرف صاحب سلامة المعتقد بأن أعماله وتصرفاته ومواقفه وعلاقاته مبنية على أساس من العقيدة الصحيحة طاعة لله وتقرباً إليه وتعبداً له، وفق مرجعية يرجع إليها لترسم له الطريق وتحدد معالم توجهه وأسلوب منهجه الذي ينتهجه في التلقي، وتكون صمام أمان له في تكوينه الفكري، على منهج ثابت ومتين مبني على الدليل القطعي الذي يوصله إلى بر الأمان والإيمان الكامل الذي يستطيع من خلاله التوصل إلى إدراك الحقائق والقيم، متكئ على ثقافة سليمة مستقاة من مصادر ومحاضن عديدة متنوعة تؤثر إيجابًا في تحديد اتجاهه وسلوكه وحياته عمومًا، وهذا لا يتحقق إلا بالثقافة السوية التي تؤثر فيه وتحميه من الانزلاقات الفكرية المعتلة والآفات والانحرافات التي تبعده عن الطريق الصحيح والسير فيه، وهذا لا يتحقق مطلقًا إلا عندما يملك الإنسان إرادة قوية تمكنه من العزيمة على العمل مهما صعب الاختيار وشق الطريق.

فمتى كانت الإرادة قوية والفكر سليمًا استطاع الإنسان أن يتحمل المسؤولية وسار نحو تحقيق الهدف المنشود والقيام بواجباته باقتدار.

وهنا يتبين لنا أن الشخصية الإسلامية حاملة الفكر السليم تسير وفق ما يحب ربنا – سبحانه وتعالى – ويرضاه من الأقوال والأعمال، مستنيرة بالكتاب والسنة وبما جاء عن المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وبالأخذ عن سلف هذه الأمة وعن علمائها، فصاحب الفكر السليم يراجع نفسه كل لحظة ويعرض ما يعمل على ما لديه من علم ومعرفة، فلا يسير في حياته عشوائياً، وفي الوقت نفسه لا تأخذه العاطفة الجياشة والحماس غير المنضبط بالخروج على تعاليم دينه وترك الطريق المستقيم.

وبذلك يكون لزامًا على الحكومات والشعوب أن تعمل لنشر الفكر السوي السليم، وفي الوقت نفسه تعمل على اقتلاع الفكر المعتل واجتثاثه والتحذير منه وبيان عوره ومفاسده المترتبة عليه، دون شخصنة أو هوى أو أي توجه يخالف ذلك.

وهذا لن يتحقق بمقتل زعيم القاعدة، بل بالعمل الجاد والدؤوب لمحاربة الفكر الإرهابي والفكر اللادني الذي يسير في الاتجاه المعاكس للمنهج السليم، لارتباطه بمنهج غير سليم ومصادر غير مأمونة وبمرجعية على غير هدى، لذا نجد أن أتباع هذا الفكر يعيشون منبوذين من المجتمعات وفي بوتقة ضيقة تلحق بسراب دامس، وتسير في دهاليز معتمة، وتحيى في قلق دائم ورتابة مقيتة.

 
شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
28/5/1432هـ

2011/04/27

أخلاقيات الهكر !!!



شذرات
قلم

أخلاقيات الهكر




كثيرًا ما نسمع عن "الهكر" ونشاهد أثارهم عبر العالم الإلكتروني؛ وما يقومون به من أعمال متميزة ورائعة؛ بل بالبطولية في القدرة على اختراق المواقع والمنتديات والأجهزة والبرامج، ولكن متى تكون كذلك؟

لعلي أخاطب هنا هؤلاء الشباب المسلمين عمومًا وأبناء هذا الوطن المبارك على وجه الخصوص، الذين يعيشون زمان الثورة العلمية والتقدم الحضاري والتكنولوجي وبشكل سريع وملحوظ، فقد حباهم الله بقدرات فذة، وإمكانات رائعة، وميزات فريدة ميزتهم عن غيرهم وجعلتهم يتعايشون مع أحداث الزمن الذي يعيشون فيه حتى أصبح منهم "هكرًا" يشار إليهم بالبنان، هؤلاء الشباب الذين يمتلكون عقلية لا يستهان بها من القدرة على التفكير والفطنة والنبوغ التي تمكنهم من المناورة واستغلال الثغرات الإلكترونية وتحويلها لصالح ما يرغبون تحقيقه من اختراق هذا الموقع أو ذاك المنتدى أو فك شفرة برنامج أو جهاز معين.

فـ"الهكر" هو إنسان غير عادي؛ في القدرة على استخدام التقنية والمعلومات الإلكترونية بكل حرفية وحذاقة ونبوغ، في عالم إلكتروني متلاطمة أمواجه بملايين المواقع والمنتديات والبرامج والتقنيات التكنولوجية المعلوماتية التي تتزايد يومًا بعد يوم؛ بل كل ثانية لا كل يوم أو ساعة.

ولا شك أن تلك القدرات يدعمها ما يعرفه وما تعلمه من أسرار الأجهزة والبرامج وكيفية التعامل معها، من واقع محبة وألفة بينه وبين الإبحار في هذا العالم والتقدم فيه وفي علومه وفنونه والمناضلة من أجله وأجل الإبداع في ميادينه.

وما يقوم به "الهكر" من أعمال هي سببًا للعداوة والتمادي في استمرار الفعل وردة الفعل وقيام حرب الإلكترونية بين "الهكر" والهدف، وقد تتطور إلى عداوة مباشرة أو غير مباشرة من الإذاء في النفس أو المال أو غيرها، وهذا لما تقوم عليه وترتكز غالبًا من هدف التدمير والتخريب لأهداف وغايات مختلفة وبدوافع أسباب وظروف مختلفة تحفزهم على القيام بهذا العمل.

ولكن !!!  

نعم ولكن يجب على "الهكر" أن يتخلق بأخلاقيات المهنة والهواية والثقافة والعلم الذي يملكونه ويتمتعون به؟

فكما هو معلوم ومعروف أن لكل مهنة أخلاقيات يلتزم بها المنتسبين لهذه المهنة، ومن خالفها يكون مخالفًا لأبسط أبجديات المهنة، ويكون موقفه ضعيفًا أمام أقرانه؛ بل قد يكون منبوذًا بينهم، ولعل من أبسط هذه الأخلاقيات ما يلي:

  • أن لا يكون "التهكير" من أجل الإساءة والتخريب والتشفي من الأقارب والأصدقاء وأبناء الوطن والمسلمين.
  • احترام المواقع الخدمية والعامة والخاصة ومصادر رزق الآخرين من المبرمجين ونحوهم.
  • احترام الثقافات والعمل على تبادلها مع الآخرين دون التجاوز في ذلك.
  • أن لا تسجل نجاحك على أكتاف الآخرين.
  • المناصحة والتحذير للمواقع المسيئة والقائمين عليها، نحو المسيئة: (للإسلام، للمصطفى – صلى الله عليه وسلم – لأمهات المؤمنين، للأمة الإسلامية، الجنسية، المشككة بالدين) وغيرها، بالإقلاع عن فعلهم، وتحذيرهم من مغبة ذلك وما يترتب عليه.
  • عدم التعدي على حقوق الغير وكشف الأسرار والتجسس على الآخرين.
  • أن لا يكون في الاختراق مخالفة شرعية.
  • أن لا يكون في الاختراق مخالفة للأنظمة والمواثيق.
  

وغير ذلك من الأخلاقيات والمبادئ التي يجيب على "الهكر" التقيد والالتزام بها.

ومتى التزم "الهكر" ذلك، فإنه وبلا شك سوف يحظى باحترام وتقدير الجميع، وسوف يصبح بطلاً حقيقيًا يشار إليه؛ بل ويرجع إليه في مثل هذا الأمر لتخصصه وتمكنه منه ولرقيه ودقته في احترام أخلاقيات المهنة.

ومتى خالف "الهكر" تلك المبادي وغيرها من أخلاقيات مهنة "التهكير" فإنه سوف يخالف قيمه ومبادئه ابتداءً، وبالتالي سوف يخالف أخلاقيات "الهكر" وأخلاقيات المجتمع وأخلاقيات الأمة، والانشغال بما يسئ للأمة من التطاول على حريات الناس وتعكير صفو حياتهم والنيل من مواقعهم ومنتدياتهم الأسرية والعامة والخاصة.

فيا شباب الأمة يا من أنعم الله عليكم بنعمة القدرة والمعرفة والتميز، أحرصوا على إفراغ طاقاتكم واستغلال مواهبكم وما أنعم الله به عليكم من نعمة في ميدان الدعوة إلى الله ونصرة الأمة ورفعة وطنكم والرقي بمقدراتكم، ولا تكون معول هدم وإفساد وهدم وتخريب.

فكونوا من عباد الله الشاكرين، وشكر النعم لا يكون في تسخيرها فيما حرم الله من إذاء الأمة وممتلكاتها الخاصة والعامة، وإنما يكون في تسخيرها فيما يرضي الله ويحقق الهدف الأسمى للخلق من الدعوة إليه وتحقيق العبودية له وحده دون غيره.



شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
23/5/1432هـ

2011/04/22

الطاسة ضايعة !!!


شذرات
قلم

 
الطاسة ضايعة



في الحياة منحدرات ومنعطفات ومطبات وتحويلات ودهاليز وسراديب، تجعل الإنسان يعيش في دوامة، حتى يشعر أن "الطاسة ضايعة" فتراه يتخبط يمنة ويسرة دون أن يعرف الاتجاه الصحيح للسير فيه، وفي أحيان يُرسم له طريق سراب يجتهد في السير فيه وفي النهاية يجد نفسه فارغ اليدين ومتعب القدمين ومصاب بالإعياء من طول الخطوات التي قطعها دون جدوى.

ولعل من يتوه في دوامة "الطاسة الضائعة" كثيرًا ذاك الموظف الذي أخلص وجد واجتهد وشمر عن ساعديه باذلاً ومتفانيًا في أداء مهام عمله وما كلف به ليبدع ويتميز عن غيره بالتجديد والتطوير والارتقاء بإدارته، ما علم أنه في نهاية المطاف سوف يجد نفسه مشردًا بين المكاتب والممرات دون عمل أو حتى كرسي يجلس عليه ليرتاح من طول الوقوف، ويكون مصيره معلق بوشاية حاقد وكذبة حاسد ومكيدة ناقم، قدرها وأبرمها حتى صبها في أُذني المسؤول، الذي لم يصدق الخبر، إلا أن سوء حظه جاء صدفة مصادقًا لما وقع وقيل وكان، فكان ما كان.

حتى توقع أن تشكل لحالته اللجان أثر اللجان للتحقيق والتمحيص والتفحيص عن أمر لم يكن منه، إلا من قبيل ذاك المسكين الذي رسم وخطط لإبعاده عن الطريق بكل مكر وخبث ومكيدة ودهاء، لينشئ بذلك بيئة خصبة للتخبط الإداري والفساد الذي يحاربه كل مخلص وسوي في كل الدوائر.

فمتى ضاعت الأمور واختلطت وعُدم الضابط الرزين لها، وأسند الأمر لغير أهله وفق الأهواء والمزاجية، اختلط الحابل بالنابل حتى "تضيع الطاسة" ويصبح الحق باطلاً والباطل حقًا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

فمتى كان الأمر كذلك كانت القضية قضية استفزازية من فرد لا يمثل إلا نفسه ومن شابهه في هذا التصرف الأرعن؛ لشريحة كبيرة من الموظفين الذين هم جزء لا يتجزأ من الشعب وأبناء الوطن، تتحول إلى استفزاز صناع القرار ليخرجوا من المألوف والنظام إلى ما يحقق رغبة هؤلاء بقصد وبدون قصد، وبالتالي تشويه صورتهم أمام الآخرين والإثبات بأنهم ليسوا أهلاً للثقة وتولي القيادة.

فهم بفعلهم هذا البسيط، ينشئون بيئة خصبة لخلق الفتنة والاحتقان والكراهية والضغينة بين الموظفين فيما بينهم، وبين الموظفين ومسؤوليهم، وبالتالي خلق حواضن للفساد المالي والإداري، وتعطيل عجلة التقدم والتطوير والإنتاجية، وتعطيل مصالح المراجعين والمستفيدين من خدمات تلك الدائرة، وإشغال المسؤولين والموظفين بأمور لا تمت بما أسند إليهم من مهام بصلة، وجعلهم يدورون في دوامة مفرغة من الروتين وتصفية الحسابات والبحث عن الزلات وتصيدها.

إن "الطاسة عندما تضيع" فإنها تضيع فارغة من الحقائق، ومملوءة بالأوهام والأحقاد والدسائس التي جد واجتهد في دسها ذاك الفارغ المسكين الذي صبها في أُذن المسؤول ضد ذاك الموظف المتميز بكل جديد وهادف.

حتى أنك تخشى على نفسك أن تكون يومًا في دوامة تلك "الطاسة الضائعة" التي لا محالة أنها مهلكة للوقت وللعمر وللخير كله، ومصيرها ذاك الركن المنسوج بخيوط العنكبوت بعد فوات الأوان والعض على أصابع الحسرة والندم على ما فعل وما كان منه من أعمال شريرة شيطانية؛ سلم لحظتها نفسه للشيطان ليستعبده فيها بمثل تلك الأعمال المنبوذة.

ولعل في ذلك خير وفاتحة أمل ونافذة مبصرة ومدركة؛ لرؤية الحقيقة من خلالها للعمل على رسم الطريق الأمن والموصل للغاية المنشودة دون أي خسائر تذكر، بعد تصحيح الأمر والقضاء على الفوضى وسد ذاك الشرخ الذي أحدثه بقصد الإفساد ذاك المسكين، فالفوضى والتخبط والعشوائية في العمل تربك ولا تنجز وتؤخر ولا تنهي ولا تخلص.

لذا فإنه لزامًا علينا وضعها تحت المجهر، وأن نتعامل معها وفق البوصلة الموجهة بهاتيك الرؤية العلمية العميقة والقدرة على استقراء الواقع والتكيف معه بما لا يخالف المبادئ الراسخة والشامخة، للقضاء على تلك المفاسد والتجاوزات المخلة بالأنظمة والتعليمات وسير المعاملات وتأخر الإنتاجية وتعطل المصالح، وعدم الانشغال بتلك "الطاسة" الفارغة من كل حسن وجميل، والانشغال بإعادة رسم الطريق الصحيح وتجميله بكل نافع ومفيد، وتزين جنباته بكل معالم التطوير والتجديد، وتنسيق أركانه بمظاهر الإبداع والسبق في احتواء كل جديد يعين على كسر الجمود والتخلص من أطناب الروتين الجاثم على صدر التطوير والتميز والإبداع.

وهنا أقول لذاك المسكين تأكد بأنني أنا الفعل ولست ردة الفعل، وهذا لما حباني الخالق به من ذكاء وفطنة، مجلل برضا المولى - عز وجل - فأنا لها – بإذن الله – في هذا الزمان الذي صار فيه صاحب الحق والمبادئ كالمحارب على ألف جبهة، ومن يعتصم بحبل الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يكون النصر حليفه من كل ظالم ظلمه، فمن حفظ الله بالطاعة أعزه الله بالمغفرة والتوفيق والتسديد وبلوغ الهدف والتربع على القمة!!!



شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
18/5/1432هـ
 

2011/04/21

الملتقى الثالث ... تواصل وتلاحم


شذرات
قلم

الملتقى الثالث ... تواصل وتلاحم

وفيه دعوة لبرنامج تفاعلي جديد ( العمل التطوعي )



كثيرًا ما تحرص الأسر والعوائل والقبائل على عقد اجتماعات دورية وسنوية، تلتقي فيها لأهداف معينة من التواصل والتقارب وزيادة روابط اللحمة فيما بين أبنائها، وتتأكد متعة هذه الاجتماعات واللقاءات التي يعيشها أفرادها عندما تكون تلك الاجتماعات واللقاءات ذات أهداف سامية تعود على الجميع بالنفع والفائدة، يستشعرها جميع المجتمعين واقعًا ملموسًا ومعايشًا بالمحبة والألفة، وصفاء القلوب وصدقها فيما تبديه من مشاعر وأحاسيس بينها، بعيدة عن الحساسيات والمجاملات والبغضاء والشحناء.

وهذا ولله الحمد ما يظهر للجميع في اجتماعات أبناء البدارين الدواسر الدورية، وما اشترطته لعقد تلك الملتقيات واللقاءات والاجتماعات من شروط وضوابط معلنة للجميع، تأكد عليهم بأهمية الالتزام بها، وأن مخالفتها أو مخالفة ضابط منها يعني عدم إقرار الملتقى، تلك الضوابط والشروط التي تدور في مجملها على الالتزام بآداب وتعاليم الشريعة الإسلامية، وتعزيز الوحدة الوطنية والانتماء الوطني بكل معانيه لهذه البلاد المباركة التي نعيش على ثراها، ومقت كل ما يخالف ذلك أو يسئ للوطن أو للقبيلة بأي شكل من الأشكال؛ دون عصبية أو عنصرية قبلية مذمومة تهدم ولا تبني، مع التأكيد على التواضع والبعد عن المفاخرة والتبذير والإسراف عند إقامة تلك الملتقيات، مع السعي إلى تحقيق أهداف وأعمال تسهم في جمع الكلمة وتقوية أواصر الصلة والأرحام والتعارف والتقارب بين أبناء البدارين الدواسر، إلا دليل على وعيهم وحرصهم على الاستفادة من هذه اللقاءات والاجتماعات.

وهذا ما يسعى القائمين على ملتقيات أبناء البدارين الدواسر إلى تفعيله على أرض الواقع؛ وخير شاهد أن تتم الدعوة لحضور الملتقى الثالث ابتهاجًا واحتفاءً بعودة والدنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – أمد الله بعمره وألبسه ثياب الصحة والعافية – لأرض الوطن سالمًا معافا بعد رحلة علاجية خارج البلاد، تكللت ولله الحمد والمنة بالنجاح، تلك المناسبة العظيمة التي يعيش كل أبناء الوطن نسمات فرحتها، محبة بالوالد القائد، وصدق انتماء للوطن الغالي، الذي يتجسد بالاحتفاء بتلك المناسبة الغالية، وشوقًا للقيا أبناء العم البدارين وضيوفهم الكرام من أبناء هذا الوطن المضياف.

إن تفاعل أبناء البدارين مع الأحداث والمناسبات الوطنية الغالية عمل مبارك وجليل يرسخ في الناشئة من أبناءها حب الوطن وصدق الانتماء إليه، وفي الوقت نفسه يؤصل فيهم التفاعل مع الأحداث والمناسبات الغالية والمهمة باللقاءات الحميمة التي تخرج منها بكل هادف ومفيد، من تقوية الصلات والتعارف، وتفقد المحتاجين وإعانتهم، والمقصرين ومناصحتهم، والتعرف إلى الباذلين وشكرهم وتكريمهم، ورؤية إبداعات الأبناء ودعمهم وتشجيعهم على البذل والعطاء ومواصلة الإبداع والتميز، وتحفيز الطلبة على مواصلة طلبهم للعلم، والقضاء على ما قد يكون بين البعض من مشاحنات وخلافات وتصفية القلوب وإزالة ما قد يقع في الصدور من داء فرقة وشتات، وتعويد الأبناء على قضاء الأوقات بالنفع والهادف والمفيد الذي يعود عليهم بالخير، بعيدًا عن الروتين ودوامة الحياة اليومية المعتادة.

كما أن تلك الملتقيات تعيد الذكريات وتذكر الأبناء بما كان عليه الآباء والأجداد، وما كانت عليه البلاد من حياة وما وصلت إليه، ليشكروا المنعم – سبحانه وتعالى – بما أنعم عليهم من نعم وأفاء عليهم من خيرات في ظل قيادتنا الراشدة الحكيمة وعلى رأسها والدنا خادم الحرمين الشريفين – متعه الله بوافر الصحة – الذي يحرص على جمع الكلمة ولم الشمل وينبذ الفرقة، والعيش جنبًا إلى جنب والتواصل وصلة الرحم والالتفاف صفًا واحدًا لكل أبناء الشعب السعودي حول القيادة، الذي ترعرع على هذه الخصال، وخير شاهد ما أثبته الشعب من لحمة وطنية فريدة أذهلت العالم في الأحداث الأخيرة وفي ظل الظروف الراهنة التي يعيشها العالم اليوم.

فأبناء البدارين الدواسر هم لبنة من أبناء هذا الوطن في لحمته الوطنية الصادقة، وهم يقدمون الغالي والنفيس لخدمة دينهم ووطنهم وقيادتهم الرشيدة، فهم لا يعيشون في انطوائية وعزلة عن مكونات الوطن والمواطنة الحقيقية، لأنهم يؤمنون بأن ذلك من واجبات شكر النعم التي يتفيئون ظلالها وينعمون بها في كل شؤون حياتهم اليومية.

ومن هذا المنطلق يحرص أبناء البدارين على تفعيل ملتقياتهم ولقاءاتهم بالبرامج الهادفة والمفيدة، وجعل الجوائز المحفزة وعلى رأسها "جائزة عامر بن بدران للتميز" التي جاءت لتكريم المتميزين من أبناء القبيلة في عدد من المجالات، من خلال فروعها الثلاثة التي يتبين للمطلع عليها أنها لم تعدد المجالات اعتباطًا، ولم تنوع فروعها عبثًا ولم تحدد قيمتها عشوائيًا؛ بل جاءت برؤية ثاقبة وبدراسة متأنية حكيمة لرعاية أبناءها المتميزين والمبدعين في تلك المجالات، ليكون هذا التكريم حافزًا وداعمًا ومشجعًا لهم على المواصلة، لتؤل تلك المحصلة في النهاية لخدمة الوطن "المملكة العربية السعودية" عامة، وليس أبناء البدارين خاصة فحسب.

ولعلي أستغل هذه المناسبة بالتأكيد على مثل هذه البرامج والجوائز، والدعوة إلى تفعيل برامج وجوائز أخرى تعنى بالنشء من الأبناء والبنات، وكذلك بالأسرة، بإعداد برامج مختلفة ومتنوعة، ولعلي هنا أطرح فكرة "برنامج الأعمال التطوعية" لحث أبناء البدارين في التفاعل معه وممارسته، وغرس روح العمل التطوعي في نفوسهم وتربيتهم عليه، وبيان ما في ذلك من الأجر العظيم، وما له من مردود عليهم نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا ووطنيًا، مؤملاً أن يتبنى البدارين الدواسر فكرة هذا البرنامج وأن يعملوا على وضع رؤية له وضوابط والمحفزات، وأستأذنكم في طرح تلك الأسطر حول ذلك والتي أرجو أن تكون مدخلاً موضحًا لهذا المقترح:

 
مقدمة:

كثير من الأمم والشعوب تفاخر بما تمتلكه من رصيد ضخم ومؤهل ومدرب من أبناءها المتطوعين والمهيئين للعمل التطوعي بشكل صحيح في مختلف المواقع والظروف، وهذا بالطبع لما للعمل التطوعي من دور رئيس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية خاصة، ومختلف شؤون الحياة خاصة في الأزمات والأوقات الصعبة والحرجة التي تستدعي تفاعل أكبر طاقة بشرية ممكنة للمساهمة في تقليل الخسائر المترتبة على الوضع الذي تعيشه.

كما أن التطوعي يدل على القيم والأخلاقيات الحسنة التي يتمتع بها المتطوع، فالعمل التطوعي مهم جدًا، ويمكن إبراز أهميته في الأمور التالية:

- تعويد النفس على العمل والتفاعل مع الأحداث.
- تعويد النفس على خدمة الآخرين.
- تعويد النفس على العطاء دون انتظار المردود المادي.
- تعويد النفس على البذل والعطاء رجاء فيما عند الله من أجر وثواب.


تعريف العمل التطوعي:

العمل التطوعي هو بذل جهد بدني ونفسي ومالي من أجل تقديم العون والنفع للآخرين عن طيب خاطر ورضى النفس، خدمة للدين وللوطن وللمجتمع وللأمة، دون انتظار مقابل مادي وإنما رجاء ما عند الله من الأجر والثواب، ورغبة في مساعدة الغير في هذا العمل لإسعادهم خدمة وتعاونًا وإنسانية.

ويقوم العمل التطوعي على أساس رغبة ودافع ذاتي داخلي، وقناعة في اختيار هذا العمل، سواء كان فرديًا أوجماعي.

 
أهمية العمل التطوعي:

يمكن إبراز أهمية العمل التطوعي من خلال هذه النقاط:

1. تحفيز المتطوع على هذا العمل والمشاركة فيه.
2. زرع روح الانتماء للمجتمع وللوطن وحب الآخرين لدى الناشئة.
3. تنمية وتطوير قدرات ومهارات الناشئة من خلال الأعمال التطوعية.
4. المساهمة في سد الثغرات والنقص التي قد توجد لدى الجهات الرسمية المعنية بتقديم الخدمات والمساعدات.
5. تعويد الناشئة على حب العمل وأهميته في حياتهم.
6. استغلال أوقات الناشئة بما يعود عليهم بالخير والفائدة.
7. تعويد الناشئة على حل المشكلات والتحمل المسؤوليات وقت الأزمات.

وغير ذلك الجوانب والأهداف التي تبرز أهمية العمل التطوعي.
 
الترغيب والتحفيز للعمل التطوعي:

في كل الأحوال يحتاج المتطوعين إلى مرغبات ومحفزات تحثهم على الإقبال على الأعمال التطوعية، ويمكن الإشارة إلى جانبًا منها هنا:

- الترغيب في القيام بالأعمال التطوعية، والحث إليها بإقامة المحاضرات والندوات وطباعة الكتيبات والنشرات الداعية والمرغبة إليها.
- عقد ورش عمل ودورات تدريبية وبرامج تأهيلية وعرض خبرات سابقة في مجال العمل التطوعي ترغبهم وتؤهلهم لممارسة هذا العمل وتمكنهم من القيام به خير قيام.
- تحفيز المتطوعين بحوافز تساهم في إقبالهم على القيام بالأعمال التطوعية.
- بيان فضل الأعمال التطوعية وفعل الخير.
- بيان مجالات العمل التطوعي وأبوابها الكثيرة.
- تذليل المعوقات التي قد تعترض طريق المتطوع.
- نشر الوعي بمفهوم العمل التطوعي وفوائده الاجتماعية والوطنية والإنسانية.
- تكريم المتطوعين ومنحهم الجوائز والمكافآت التحفيزية والتشجيعية.
 
الخاتمة:

أتمنى أن يكون هذا المقترح محل عناية ورعاية أبناء قبيلة البدارين الدواسر، وأن يكون هذا الملتقى الثالث هو منبر إطلاق هذا البرنامج وتبنيه ورعايته وتفعيله واقعًا بين أبناء البدارين الدواسر، بعد تشكيل فريق عمل يضع الخطط والضوابط المؤدية والمحققة لذلك.
 

أما بخصوص بقية البرامج فيمكن استغلال الملتقى الرسمي للبدارين الدواسر الإلكتروني لتفعيلها من خلال صفحات المنتديات المختلفة، خاصة ما يبدع فيه النشء في المنتديات الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي (face book) وغيرها، من أعمال التصميم والبرمجة والرسم والتصوير وغيرها مما هو محل عنايتهم واهتمامهم، لتكون تلك الاهتمامات تحت النظر ليتم توجيهها الوجهة الصحيحة وتنميتها التنمية السليمة، بعيدًا عما يخدشها ويسيء إليهم من خلالها.
 
ختامًا أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يعقد الملتقى الثالث ووالدنا خادم الحرمين الشريفين يرفل بثياب الصحة والعافية والعزة والتمكين لينصر الله به الدين ويعلي به من قدر هذا الشعب الأبي ومكانة هذا الوطن الشامخ.

كما أسأله أن يجمع قلوب أبناء البدارين الدواسر على خير حبًا وصفاءً وتلاحمًا وأن ينعم الجميع بخير وسعادة على تراب وطننا الغالي ومنهم على ثرى بلدان شقيقة.

كم أتمنى أن تتقبل تلك الأسطر والشذرات بكل حب، وأن تكون من القلب إلى القلب، فلم أسطرها إلى محبة في الجميع.



شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
ابن المداء البدراني
المهـ رحال ـاجر
الرياض
17/5/1432هـ

2011/04/18

مكسور الجناح !!!


شذرات
قلم

 
مكسور الجناح
هل يجبر جناحه أم يقتل أو يترك يموت ؟!؟




 
حبيبنا – صلى الله عليه وسلم – متفائل يحب التفاؤل وقد أوصانا بالتفاؤل في كل شؤون حياتنا؛ وهذا لأن التفاؤل هو بوابة الأمل للخير والسعادة التي لا تتحقق إلا عند حسن الظن بالله – سبحانه وتعالى – إذ أن الأمل هو ما يتحقق للنفس من راحة وطمأنينة وهدوء وثبات في المواقف كلها؛ تكتمل صورتها وبهاؤها بالإيمان، فمتى كان الإنسان مؤمنًا كانت حياته كلها خير وفي خير وعلى خير وإلى خير.

فكل ما خالف التفاؤل والأمل؛ من تشاؤم ويأس وقنوط، هو مُبعد عن كل معاني السعادة والطمأنينة الربانية التي وعد بها عباده، قال – عز وجل – (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم).

فمتى كسرت جناحك أو شعرت بذلك لأي سبب من عوارض الدنيا فكن قويًا بالله –جل جلاله– متوكلاً عليه، متفائلاً بالأمل القادم بالخير العميم، وتذكر أن ما يمر به الإنسان من مواقف وعثرات، إنما هي محطات للتذكير بأهمية المراجعة والعودة للطريق الصحيح، وتذكر أنه لا يتحقق الحلم المطلوب إلا بالزرع والكدح والنصب والتعب والسهر وتحمل الأخطار والمجازفة دون كلل أو ملل، بل بالتوكل على الله – سبحانه وتعالى – وبالجد والعمل والمثابرة ومواصلة السير حتى بلوغ الهدف المؤمل في هرم القمة المنشودة.

لا خير في اليأس كل الخير في الأمل     أصل الشجاعة والإقدام في الرجل

فكسر الجناح أو الشعور به؛ لا يعني النهاية، بل هو البداية الحقيقية لمواصلة المشوار بكل إصرار وقوة دافعة للكفاح والنشاط والحيوية، معززة بروح الأمل الذي يكون جبرًا للجناح المكسور وعوضًا عن كل الجبائر التي كنت تتوقعها وتحلم بها ممن هم حولك؛ خاصة ممن تربطك بهم أواصر الأخوة والمحبة والإخاء الخالص لوجه الله – تعالى – فإن بعدهم عنك وأنت في هذه الحالة يضاعف الكسر عليك ويطيل أمد الشفاء منها؛ فهم ضاعفوا كسر الجناح بكسر أخر في القلب وشرخه بعد أن كان يفاخر بهم وبحبه لهم، ذاك الحب الذي لا يساوم عليه.

إلا أني مع تلك الكسور المضاعفة في العظم والقلب والبدن، تمحوها نبتة الأمل مترعرعة –بحمد الله– في ربوع القلب؛ يحتضنها الإيمان بالباري – جل في علاه – ويسوقها التوكل عليه – سبحانه وتعالى – فهي تهدي النفس وتطمئنها لتظل بظلالها الوارف بالخير المبشر القادم – بإذن الله تعالى – فكانت الأمنيات والأحلام والآمال تسابق الريح مرفرفة في سماء الطموح والأمل، بكل تفاؤل وإيمان صادق.

فلا يعني تخلي ممن حولك عنك وأنت تعاني من جراحك، والدم ينزف منك بغزارة، وهم ينظرون إليك وقد وضعوا للثام على وجوههم وربطوا صدورهم بأيديهم ثم أداروا ظهورهم مبتعدين عنك جريًا وراء مصالحهم؛ بعدما تأكدوا بأنك أصبحت عاجزًا عن التحليق مرة أخرى –كما ظنوا وزعموا– فكان هذا التصرف منهم بمثابة الخنجر المسموم منهم في الظهر.

مما جعل نبتة الأمل تفرش أوراقها الوارفة في القلب، لتملؤه بالدفء والحنان، لتشعر بأن طريق النجاح والتفوق واللحاق بركب الناجحين طريق طويل وصعب وشاق يحتاج إلى قوة عزيمة وإصرار وأمل ويقين وتوكل.

هنا يجب أن تصرخ بصوت شجي فرحًا وطربًا بأن جراحك ملتئمة، وجناحيك سليمة متعافية، وأنك لن تكون طريح الفراش أو حبيس نظرات الشفقة والرحمة منهم، وتأكد بأنك لن تقف مكتوف الأيدي منتظرًا مساعدة من هذا أو ذاك، بل أعلنها مدوية بأن مكسور الجناح متماسك وواقف بكل قوة وثبات، وأنه ليس بحاجة إلى من يجبره أو يواسيه أو يقتله ليريحه من ألامه وجروحه، وأنه لن يموت بنزيف تلك الجراح؛ لأن كسور جناحيه جبرت وجراحه التأمت.

وليكن طريق النجاح والتفوق هو طريقك، والقمة هي هدفك في الحياة الدنيوية والجنة هي غايتك في الدنيا الأخروية، فالحياة قول وعمل وإصرار وإيمان وأمل وتفاؤل.

فالشمس تغيب وتشرق كل فجر مبشرة بيوم جديد، فغروب اليوم السابق لم يمنع أن يكون هناك فجر جديد تزفه أشعة الشمس المشرقة كل صباح، وهذه سنة الله في الحياة لنتعلم ونستفيد من تلك السنة الكونية الإلهية؛ لنعيش حياتنا كما أرادها الله لنا ونكون عباد الله بحق (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).





شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
14/5/1432هـ

2011/04/16

وداعًا أميرة المسؤولية الاجتماعية صاحبة الأيادي البيضاء

شذرات
قلم

وداعًا
أميرة المسؤولية الاجتماعية
صاحبة الأيادي البيضاء





إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا أم اليتامى وصاحبة الأيادي البيضاء في كل ميدان خير لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: (إنا لله وإنا إليه راجعون) وجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وغفر الله لك.

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره يا صاحبة السمو الملكي الأميرة/ صيته بنت عبدالعزيز ابن عبدالرحمن آل سعود، نتقبل نبأ وفاتك الذي تلقيناه مساء يوم الأربعاء 9/5/1432هـ ونحمد الله – سبحانه وتعالى – أن قبض روحك وأنت تشهدين أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، مؤمنة بقضاء الله وقدره، صابرة ومحتسبة على ما حل بك من داء وما صحبه من ألم عضال طوال الفترة الماضية، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أنك كنت على صلة دائمة بالمولى – عز وجل – بين كثرة سجود وقيام ليل ودعاء وخوف ورجاء، وحب للقريب والبعيد، غير حاملة في صدرك على أحد، تذكرين الناس بالخير ولا تقبلين أن يذكر أحد بالسوء وإن كان أهل لذلك.

خرجت من هذه الدنيا بالحب والخير – بإذن الله تعالى – وسط أحضان دافئة منك لأبنائك وبناتك؛ ورضى عن أخيك أبا متعب خاصة وجميع إخوانك وذويك عامة، وكل قريب لك وصديق ومحب، فقد قراء ذلك من كانوا لديك وأنت تنظرين إليهم بنظرات الوداع الأخيرة منك لهم، ومنهم لك، وإن لم يكن في خلد أحد منهم أنك راحلة في مساء هذا اليوم؛ فأحسن الله العزاء وجبر المصاب وعظم الله أجرنا فيك يا أم اليتامى ويا صاحبة الأيادي البيضاء في العمل الاجتماعي والخيري والإنساني، مصابك جلل على أبناءك وأحفادك عامة وأخيك والدنا أبا متعب – متعه الله بالصحة والعافية – وأهلك ومحبيك، فقد شوهد ذلك في دموعهم الصادقة عليك الرجال قبل النساء؛ وحق لهم أن تذرف عيونهم دموع الوداع والحزن على من كانت تجمعهم بحبها وحنانها ليخرج الجميع من عندك فرحين مسرورين بقلوب صافية متحابة مترابطة متعانقة، من مجالس كلها أنس بحرارة اللقاء، وصدق الحديث وعذوبته؛ فلا ضجيج ولا غيبة ولا نميمة ولا أحقاد، ولا تنكر لنعم الله على خلقه، فهنيئًا لك يا صاحبة السمو على ما أعده الله لك من أجر وثواب عن تلك اللقاءات والاجتماعات الفريدة من نوعها.

فأيديك البيضاء والطولى في دعم البرامج والأنشطة الخيرية عمومًا وفي الشؤون الصحية بالحرس الوطني على وجه الخصوص؛ هي شاهد لك على ما كنت تحملينه من هم في النفع العام وحرص على بذل الخير والعطاء التي أثمرت عن العديد من المشاريع والبرامج الخيرية الممتدة والباقية إلى قيام الساعة، أصلها ثابت وأجرها بالغ لك – بإذن الله وتوفيقه – والتي كان منها برنامج الأمان الأسري الوطني؛ وما نتج عنه من إنجازات متعددة ومتوزعة في مختلف مناطق المملكة، كمراكز حماية الطفل، والسجل الوطني لحالات إساءة معاملة وإهمال الأطفال لرصد وتوثيق حالات العنف الأسري؛ ولتوفير معلومات وبيانات علمية تخدم الباحثين والدارسين تخدم الاستراتيجيات الوطنية لحماية الأطفال بالمملكة.

وكذلك ما كان لك يا صحبة السمو من مبادرات خيرية؛ كسعفة الخير وسعفة بنت الوطن، وميثاق الأسرة، وغيرها من المبادرات التي تدل على أمومتك وحنانك ومشاعرك الوطنية الصادقة إذ أنت أول من كرم زوجات وأبناء شهداء الوطن المخلصين الذين قدموا أرواحهم الزكية ودمائهم الطاهرة فداء للوطن ضد الإرهاب.

فما قدمتيه على مدى ثمانون ربيعًا من أعمالٍ خيرية وحراك متميز في دعم العمل الخيري والأسري والاجتماعي في المملكة وتبنيه والسبق إليه؛ جعل لك مكانة خاصة في قلوب أبناء هذا الوطن، فأنت من كان يتلمس احتياجاتهم ويعالج أمورهم الأسرية والاجتماعية بكل صدق وصمت دون كلل أو ملل.

كم لك من قدرة خارقة على التحمل والصبر في هذا الميدان خاصة وفي ميدان الحياة عامة؛ وكم كنت شاكرة لله – سبحانه وتعالى – واثقة به – جل في علاه – فخلقك الرفيع، ورفعتك عن سقط متاع الحياة، وحبك للخير وسعيك فيه، جعلك تتجاوزين كل الصعاب التي واجهتيها في حياتك، لتغرسي وتربي في نفوس الأبناء والأحفاد كل الخصال الحميدة وحب الناس والخير لهم.

هذه مشاعر صادقة سكبها قلمي هنا لما سمعته عنك، رحمك الباري وتقبلك قبولاً حسنًا، وجعل مثواك جنة عرضها السماوات والأرض، لما خلفتي لنا من ثروة هائلة من حميد الصفات الجميلة الراقية الطيبة الذكر، المحاطة بالهمة العالية.

(كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ومما يبقى للإنسان في الحياة بعد رحيله إلا الذكر الحسن، وما يخلفه من أعمال صالحة وذرية صالحة بارة تواصل ما زرعه من خير، ليجني ثمرة ما زرع في أخرته.

فكم زرعتي فينا من حب للوفاء، وبنيتي في قلوبنا الصفاء، وعمقتي في نفوسنا الحب والإخاء، وأكدت فينا خصال النقاء والبذل والعطاء، ومسحتي من أذهاننا اليأس وسطرتي فيها التفاؤل والأمل، وأنت من علمنا أن نكون نحن، وأن لا ننخدع بالسراب والهرولة خلفه.

وإن كنت تركتينا اليوم جسدًا؛ فتأكدي بأنك في قلوبنا روحًا نابضة لا يمكن أن تفارقنا، ولا نقول هنا إلا الحمد الله رب العالمين يا صاحبة السمو ويا أم اليتامى والخير للوطن والمواطن، وعزائنا أن قدمت إلى خير من هذه الدنيا المتلاطمة بالأعفان.

لا حرمك الله أجر ما مر بك في حياتك، وجعل ذلك عتبات ينزلك بها خالقنا في أعالي جنته إنه ولي ذلك والقادر عليه – عز وجل – فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم يا مالك الملك يا عظيم يا كريم يا رحيم ارحم صاحبة السمو الملكي الأميرة صيته بنت عبدالعزيز آل سعود برحمة واسعة وأسكنها جناتك وأرفع درجاتها في المهديين، وأكرم نزلها وأعل نزلها في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء، وارزقنا الصبر والرضا والسلوان، وعوضنا في مصيبتنا لقياها في جنانك يا أرحم الراحمين.


 
شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
12/5/1432هـ

2011/04/15

الرئيس بين الكرامة والإهانة !!!

شذرات
قلم

الرئيس بين الكرامة والإهانة





لعلي أدخل إلى تلك الشذرات بمدخل شذرات سابقة لي؛ كانت بعنوان: ‏(الكرامة) فالكرامة هي قيمة الإنسان الحقيقية وهي عنوانه، وهي تأشيرة دخوله ‏للحياة، فمتى فقد الإنسان كرامته انتهت حياته وسقطت قيمته ومنزلته، وأنداس ‏أسفل الأقدام.‏

الكرامة هي مفاتيح العطاء والبذل بسخاء، وهي الهيبة والاحترام للذات قبل ‏أي شي أخر، فبالكرامة يكون بناء الشخصية وتعزيز كل الجوانب الإيجابية فيها؛ ‏والعكس بالعكس.‏

الكرامة حياة ومعاني وقيم حقيقية، وليست كلمات رنانة وشعارات براقة ‏وسلوكيات عابرة، الكرامة هي عضو داخل عضو ينمو داخل النفس، فبنموه ‏تكون الحياة، وبمجرد موته أو القدح فيه تنتهي الحياة؛ إذ لا قيمة للحياة بدونها، ‏فالكرامة هي مشروع حياتي متكامل تبدأ من الإنسان إلى محيطه الصغير، ثم إلى ‏البيئة التي ينشأ فيها؛ ثم إلى مجتمعة إلى أن تكون الوطن بأسرة، فكرامة الوطن ‏من كرامة المواطن، وكرامة البيئة التي يعيش فيها الفرد من كرامته، فمتى تم ‏التطاول على كرامته أو على كرامة بيئته التي ينتمي إليها؛ أيًا كانت تلك البيئة، ‏فإنه بذلك يكون قد تم التطاول عليه بذاته وشخصه.‏

لذا فإن قوة التماسك بين كرامة الفرد وكرامة البيئة والمجتمع والوطن ‏وترابطها، حلقة متصلة ومترابطة لا ينفك أحدها عن الأخرى، فالكرامة هي ‏العصمة والحماية والعزة والسيادة، والاستحقاق والجدارة، متصلة بذات الإنسان ‏وعقيدته.‏

وبـعـد:‏

فقد ثارت مصر ضد رئيسها "محمد حسني مبارك" حتى تخلى عن منصبه ‏وكامل مسؤولياته الرسمية؛ ولم يغادر مصر بل أثر أن يقضي ما تبقى من حياته على ‏ترابها، وهذا دليل على حبه لمصر وافتخاره بها ووفائه لها – وحق له ذلك؛ فمصر ‏تستحق الكثير –.‏

وهذا التصرف أظنه تصرف حكيم يحسب له؛ إذ أنه لم يفعل كما فعل رئيس ‏تونس من الفرار من الحكم والبلاد، أو بقي كما فعل معتوه ليبيا وأدخل البلاد في ‏منزلق خطير لتزهق فيه الأنفس وتراق فيه الدماء، وأظن أن هذا الموقف فقط ‏يستوجب على المصريين أن يحسبوه له وأن يشفع له عندهم في عدم إهانة الرئيس ‏ورمز مصر على مدى ثلاثة عقود مضت.‏

ولا يخفى على أحد منا أنه متى حدث احتلال دولة لدولة أخرى أو حدث انقلاب ‏أو نحو ذلك، أن تبادر تلك الجديدة من العمل على تشويه سمعة رموز الدولة السابقين ‏ومحاكمتهم وتشويه سمعتهم وإهانتهم؛ وهذا هو ديدن من يصلون إلى سدة الحكم ‏بتلك الطريقة على مر العصور والتاريخ.‏

وهذا الذي نشاهده اليوم من مسلسل متوارث؛ وإن كانت الصورة مختلفة نوعًا ‏ما إلا أن المشهد يكاد يكون هو هو؛ من العمل على تشويه الصورة وإنكار كل ‏جميل فيها وتضخيم كل سيء في أي جانب من جنباتها، وإلصاق التهم بجانب ‏الحقائق لتمييع الحقيقة بين الحق والباطل، وتحترق الصورة وتهان؛ ويتسنى لكل ‏متسلق أن يتلاعب بها كيفما شاء.‏

ولا يختلف اثنان أن الرئيس المصري السابق / محمد حسني مبارك، ضغط على ‏الشعب المصري، وضيق عليه، وأهانه في مواقف ومواقع معينة، وهو الذي جعل ‏الشعب المصري يحنق عليه ويثور ضده ويخرج للشارع طالبًا رحيله من سدة الحكم، ‏حتى كان لهم ما خرجوا من أجله.‏

ولكن !!!‏

هل نخرج للشارع بالأمس من أجل رفع الإهانة وطلب الكرامة، وفي اليوم التالي ‏نخرج للمطالبة بإهانة الرئيس وأحد رموز مصر؟؟ – (وإن كان رمزًا مخطئًا؛ إلا أنه ‏يضل رمزًا من رموز مصر يشغل عدد من صفحات التاريخ المصري والعالمي لا يمكن ‏تجاهله)–.‏

هذا من المتناقضات، فحري بالشعب المصري أن لا يكون معاملاً بالمثل، وأن ‏يترفع عن كل مواطن الزلل ومواطن النقص والقصور، وأن يعتلي قمم الكرامة ‏والعزة والشموخ، وأن لا يخنع لغير الهامات ويترفع عن الأقدام التي ينادي بها الأقزام ‏من شرذمة القوم.‏

وحتى لا ينكر عليّ أحد من أبناء الكنانة وغيرهم من المحبين لهم، أحيطهم ‏بأني أعلم أن الرئيس السابق له صفحات سوداء في تاريخ مصر لا نقط فحسب، وفي ‏الوقت نفسه كان له صفحات بيضاء في تاريخ مصر والعالم؛ وهكذا هم البشر، ‏فيجب أن نكون منصفين عادلين، وأعلم أن مصر تأخرت في كثير من المواقع ‏العملية والتعليمية والتربوية والرياضية وفي حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان ‏ووووو إلخ، ولكن هذا لا يجعلنا أن نغفل عن كوننا شعب ذو كرامة وذو عزة ‏وصاحب نخوة عربية وصاحب مواقف مشرفة تسجل بصفحات التاريخ بالذهب لا بماء ‏الذهب وهذا هو ما يميز شعب مصر عن غيرهم من الشعوب الأبية.‏

إنه لأمر محزن ما يعيشه الشارع المصري اليوم من تدهور وتيهان داخل دوامة لا ‏أول لها ولا أخر "والله نسأل أن يلطف بمصر وشعبها من أخر تلك الدوامة المنذرة ‏بخطر قادم" فبعد أن قام الشارع المصري بثورة على الرئيس والحكومة مطالبًا ‏بمطالب محددة؛ بل أخذت بالازدياد والتوسع الأفقي والرأسي، وأشبه ما تكون تلك ‏المطالب بالمتخبطة دون وعي ولا إدراك لمخاطر تلك المطالب والتوسع بها، وضررها ‏العائد على مصر بأسرها وليس على فرد دون فرد.‏

فحري بالعقلاء والمدركين لتلك المخاطر من النخبة التي تحتضنها مصر من ‏العلماء والسياسيين والمفكرين والأدباء والمثقفين وأهل الحل والعقد؛ أن يعوا ‏ويدركوا خطورة الاتجاه الخاطئ الذي يعيشه الشارع المصري اليوم، وأن يهبوا بثورة ‏قاطعة لتلك الدوامة الخطرة وتشتيت محاورها المتخبطة، وتأطيرها في قنوات ‏عقلانية متزنة تحفظ على مصر أمنها واستقرارها، وتعيد لها هيبتها وقوتها ‏الدولية، وتمكن شعبها من العيش في رخاء وسعادة.

فكأني بكثير من المصريين اليوم يتمنون عودة حسني مبارك لسدة الحكم ‏وعودة الأوضاع لما كانت عليه "على قساوتها" بدلاً من هذه الحالة التي يعيشها ‏الشارع المصري اليوم من تخبط هنا وهناك.‏

إن الوضع الراهن منذر بخطر أكبر مما كانت عليه مصر في السابق إن لم ‏تتنبه وتعي وتتدارك الأمر قبل فوات الأوان!!‏

هل تريدون مصر أن تكون عراق جديد؟؟
أم هل تريدون أن تكون صومال ثاني في أفريقيا ؟؟
أم تريدون أن تكون أفغانستان أخر ؟؟

بالطبع لا، ولكن هناك من يريد لها أن تكون كذلك ليسعد هو بتحقيق ‏مصالحه ومأربه بأمن وطمأنينة وإن هلكت مصر وشعبها فهذا لا يضره أبدًا.‏

فلا تجعلوا من بلاد مصر مكان خصب لتفريخ عصابات الإرهاب، ومكانًا ‏أمنًا لتمركز مافيا المخدرات والسموم المهلكة للأمم والاتجار بالبشر، ولا ميدانًا ‏ساخنًا للحروب الأهلية وتصفية الحسابات، ومسرحًا دافئًا لسفك الدماء وإزهاق ‏الأنفس بغير وجه حق، ومرتعًا خصبًا للسلب والنهب والإفساد؛ يكون ضحيتها في ‏كل الأحوال الشعب المصري البرئ؛ فكم هو محزن ومخجل أن تدخل مصر تلك ‏الدوامة الخطرة.‏

وكم هو مؤسف أن تنزلق وتتقوقع خلف قضبان التشفي وتصفية الحسابات ‏والانتصار للذات وتنسى كل الأخلاق الحميدة والمثل والقيم الإنسانية الكبيرة. ‏

إن التسامح والتنازل عن الحقوق ليس عيبًا ولا قهرًا ولا ذلة؛ بل هو عزة وكرامة ‏وكبريا لا يستطيع أن يفعلها إلا أناس عظما، وشعب مصر عظيم قدم التاريخ، ‏وتاريخه حافل بكل المواقف البطولية التي تدل على كرامته وعزته وعظمته ‏وأخلاقياته، فحري بأبناء مصر أن لا يشوهوا تاريخهم العظيم بخطأ صغير يدنس ‏صفحات ماضيهم المشرف وتكون تلك السقطة عار عليهم أمام أجيال مصر القادمة ‏والعالم بأسرة.‏

إن الشعوب والأمم تفخر في رموزها وملوكها ورؤسائها، وتجتهد في تمجيدهم ‏وتعظيمهم، والتغاضي عن زلاتهم وأخطائهم وإن عظمت، وتقدم المصالح العليا على ‏المصالح الدنيا والشخصية، فكونوا لها يا أبناء مصر ويا شعب الكنانة ولا تخذلوا ‏تاريخكم المجيد وتسامحوا عن رئيسكم رئيس مصر على مدى ثلاثة عقود مضت، ‏الرئيس الذي حقن الدماء برحيله من كرسي الرئاسة، وأثر بقائه بينكم لأحبه ‏لبلاده وترابها، فلا تخذلوه بتقديمه للمحاكمة وإهانته بعد سنين عز، فكونوا ‏عظماء بأنفسكم وأفعالكم، وأجمعوا على التغاضي عما بدر منه، وعفا الله عما ‏سلف، وأتموا بعملكم هذا ما قمتم به خلال ثورتكم لتحضوا باحترام أنفسكم أولاً ‏ثم احترام الشعوب الأخرى، وإبقاء صفحات تاريخ مصر العظيم نقية وناصعة ‏بالبياض المعتق بالبطولات الجسام، بعيدًا عن أي نقط سوداء تلطخه أمام الأجيال ‏وصفحات الأيام من تاريخ العظماء.‏

فالشعب العظيم لا يرث تلك الصفة فحسب؛ بل يرثها ويكتسبها أيضًا بما يؤيد ‏تلك العظمة من التغاضي عن الأخطاء والزلات، وقيمة عالية من المشاعر الصافية ‏الصادقة، والنوايا النبيلة الحميدة، كل ذلك في حق هذا الرجل الذي كان يومًا من ‏الأيام رمزًا لمصر العظيم، وسيظل كذلك شيئنا أم أبينا فحري بنا أن نكون ‏أصحاب السبق لكل خير جميل يحسب لنا، والعفو عند المقدرة من شيم الكرماء.‏

الشعب العظيم هو الذي ينظر إلى الأمور من عدة زوايا، ولا ينظر إليها من زاوية ‏واحدة أو من الزاوية السلبية فحسب؛ بل إنه ينظر إليها من زوايا عدة ويركز على ‏الزوايا الإيجابية دون السلبية، فالعظمة لا تكون من زاوية الأناة بل من زاويا عدة.‏

الشعب العظيم ليس من يفجر ثورة الإطاحة بالرئيس فحسب؛ بل هو من يفجر ‏الثورة بداخلة بما يجب أن يتعامل مع رموز البلاد وقادتها دون النظر إلى زلاتهم ‏وهفواتهم؛ لأنه بذلك سوف ينتصر لمصر لا لشخصه فحسب.‏

الشعب العظيم هو من يرسم الصورة ويكملها ويبروزها ويختار لها لمكان ‏المناسب الذي يجب أن تكون فيه؛ فالشعب المصري بدأ رسم الصورة بالثورة، ويجب ‏عليها أن يكملها بإطارها ألائق ليضعها في المكان المناسب، وإطارها هو كرامة ‏الرئيس وعدم إهانته، ومكانها هو تاريخ مصر المشرف أمام شعوب العالم؛ ‏ولنتذكر أن الصورة تلك لم تكن لترتسم معالمها لو أن الرئيس بقي في منصبه ‏وسلط بندقية جيشه نحوها كما هو الحال في ليبيا الآن!!!‏

الشعب العظيم هو من يستمع لنفسه وذاته، ويستقي مفردات حياته من أمته ‏ومن علمائها وساستها ومفكريها وأدبائها وعقلائها، لا من يستقي ذلك من الإعلام ‏المشوه الذي يبحث عن السبق الإعلامي بغض النظر عن مصالح الشعوب، ناهيك عن ‏المصداقية والمهنية والموضوعية والحيادية في إعلام اليوم وللأسف الشديد، فلتكن ‏إرادة الشعب المصري العظيم هي راعية تلك الثورة لا الإعلام المشوه الذي يخدم ‏أجندات معادية للشعوب الأبية الوفية.‏

وقبل الختام أقول إن الشعب العظيم في مصر قام بثورته ليحرر الأفواه المكممة ‏وليستمع للرأي الأخر وليحترمه دون أن يسخر منه أو يستخف بالعقليات المعارضة ‏والمخالفة له دون قهر أو إهانة .‏

وفي الختام لنتذكر أن كرامة الرئيس من كرامة الشعب وكرامة الشعب من ‏كرامة الرئيس، فمتى أهين أحدهما أهين الآخر !!!!‏

ولنتذكر أن إهانة الرئيس للشعب كانت داخلية بينهما، أما إهانة الشعب ‏للرئيس هي خارجية سوف يتشفى بها الأعداء وتكون محطة انتقاص للشعب أمام ‏الشعوب!!!‏


شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
القصيم – عنيزة
10/5/1432هـ

نشر في صحيفة الجزيرة
في العدد رقم ( 14093) يوم السبت الموافق 26/5/1432هـ
http://search.al-jazirah.com.sa/2011jaz/apr/30/rj2.htm