2011/12/13

مغدور الثمامة

شذرات قلم
مغدور الثمامة



صالح بن دخيل العنزي – رحمه الله – مواطن سعودي عربي أصيل وما أدراك من هم العرب، وما ‏أشتهروا به، فقد اشتهروا بالوفاء والأمانة والأخلاق الرفيعة وإكرام الضيف وإعانة المحتاج والشجاعة ‏وحماية الدخيل، كما عرف العرب في غربتهم بأحاسن الأخلاق بين أجناس الأقوام والشعوب التي ‏يعيشون بينها من أفعال المكارم والآداب والأخلاق الرفيعة المستمدة من تراث مليئ بالقيم والمبادئ ‏والأعراف العربية والأصيلة المؤيدة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهي سمة لوجود الإنسان ‏الأصيل في الحياة.‏

وتلك الصفات والأخلاق هي التي دفعت مغدور الثمامة " العنزي " بأن يقل ذاك الوافد المغترب ‏لأرض الحرمين للبحث عن لقمة العيش والرزق الحلال "كما يدور في خلد العنزي" ليقيه في ذلك من ‏شدة البرد وتأمين حياته من التعرض لوحوش الصحراء، أو للتقلبات الجوية مما يجعل حياته وصحته ‏في خطر مؤكد، لوجوده في منطقة صحراوية، فقد كان هذا همه وتفكيره، لعله يكسب من وراء ذلك ‏الأجر والإحسان، قربة إلى الله – سبحانه وتعالى –.‏

إلا أن يد الغدر كانت له بالمرصاد "والآجال مكتوبة لا مفر منها" وهي صفة تدل على خسة نفس ‏المغترب الغادر، الذي يفترض أنه خرج من وطنه وترك أهله للبحث عن لقمة العيش والكفاف، إلا أن ‏حقارة نفسه وخستها، وتخصله بخصلة من خصال النفاق التي حذرًا منها رسول الهدى – عليه أفضل ‏الصلاة والسلام – عندما قال : (أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا؛ ومن كانت فيه خصلة منهنَّ ‏كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم ‏فجر) فأي شيء أقبح من هذا الفعل، وأي عار بعد هذا العار الذي تلبسه هذا المغترب وألبسه أهله ‏ووطنه؟؟

وأين هو من الله – عز وجل – خصيمه يوم القيامة (قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل ‏أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) ‏وفي الحياة الدنيوية فهو مذموم لدناءة فعله وقبح صنيعة ومخالفته ما ترومه النفوس السليمة، وما ‏ينتظره في الآخرة أشد، إذ سيفضحه الله على رؤوس الأشهاد يوم العرض الأكبر.‏

والمسلم ينتظر منه الوفاء بالعهد امتثالاً لما أمرت به الشريعة الإسلامية، فقد قال رسولنا – صلى الله ‏عليه وسلم – (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدةً، ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم ‏على سواء) فهذه خُلق الإسلام وتعاليمه لأمة الإسلام إلى قيام الساعة.‏

ولكن للأسف اليوم تعيش مجتمعاتنا العربية فوضى وبعد عن تعاليم الإسلام ووصاياه التي حض إليها، ‏لتغرق في انحلال الأخلاق ومكارمها، وتتيه في سراديب الغي والظلال والغدر والخيانة ونقض الأمانة ‏ونبذ كل خلق كريم، متأثرة بما يستهدفها من غزو فكري وتغريب أخلاقي، وصرف عن شعائر الدين، ‏لتتعمق مع بعد الأمة عن دينها وتعاليمه، لتندثر أخلاق المجتمعات وتسودها حياة الغاب.‏

فقد اجتمع على الأمة ضعف الوازع الديني الذي هو صمام أمانها من التأثر بما تبثه تلك القنوات ‏الفضائية من مسلسلات فحش وزنا ورذيلة وجريمة وفساد أخلاقي جرف المجتمع عن كل فضيلة ‏وأمن وأمان، ليعيش في خوف وقلق وعدم استقرار، وبالطبع هذا كله مخطط ومدبر من أعداء الإسلام ‏والأمة، ويعملون ليل نهار لتفتيت المجتمعات المتماسكة والآمنة المطمئنة، لتكون لقمة سائغة في أيديهم ‏ليعثوا فيها فسادًا كيفما شاءوا. ‏

وما عنا ببعيد ما تطالعنا به وسائل الإعلام بين لحظة وأخرى من وقوع جريمة هنا أو هناك، وحادثة ‏غدر ابن الكنانة لأبن الوطن؛ هي امتداد لهذا الغزو الذي استهدفت به الأمة، لتتحقق الخيانة والغدر من ‏مسلم لمسلم بعد وقفة وفاء وكرم وشهامة، مع ضعف النفس ودنو غايتها واستسلامها للهوى ‏والشيطان، رغم غربته وانتظار أهله لعودته ليحقق لهم ما خرج من بلاده من أجله.‏

ولم يكن يومًا الاغتراب مرضًا يؤدي بصاحبه إلى الانحراف؛ بل هو مسؤولية يتحملها على عاتقه ‏لرسم صورة مشرقة عن دينه ووطنه وعرقه وانتمائه الفكري، لكونه سفيرًا لتلك الارتباطات التي ‏يرتبط بها لرسم صورة مميزة عنها لدى الآخرين في البلاد التي يعيش غربته على ترابها، ولمن يلتقي ‏بهم من المغتربين من أوطان أخرى، ولكنه لم يعي ما يحمله على عاتقه من مسؤوليات، ولم يدرك أنه ‏سفيرًا يترقب الناس كل حركاته وسكناته.‏

وكم نحمد الله – سبحانه وتعالى – على ما وفق إليه رجال أمن هذه البلاد المباركة من قدرة على ‏تحديد هوية الغادر، وتحديد موقعه وإلقاء القبض عليه في وقت قياسي، وإن دل هذا فإنما يدل على أن ‏الله – عز وجل – حافظ هذه البلاد وشعبها، وناصر المظلوم، ومخاصم للغادر عن المغدور، فالحمد ‏الله أولاً وأخيرًا.‏

ولا نقول هنا إلا إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا لله ونعم الوكيل، ونقدم التعازي لقائد هذه البلاد ‏ولشعب الوطن الغالي، وإلى أسرة الفقيد؛ فأحسن الله العزاء وجبر المصاب في فقد الوطن لأحد أبنائه ‏الشجعان الكرام على يد غادر خان الأمانة وأنكر الجميل وسلم نفسه للهوى والشيطان.‏


شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
18/1/1433هـ
نشرت تلك الشذرات في صحيفة أثير الإلكترونية 

0 التعليقات:

إرسال تعليق