شذرات قلم
مغدور الثمامة
صالح بن دخيل العنزي – رحمه الله – مواطن سعودي عربي أصيل وما أدراك من هم العرب، وما أشتهروا به، فقد اشتهروا بالوفاء والأمانة والأخلاق الرفيعة وإكرام الضيف وإعانة المحتاج والشجاعة وحماية الدخيل، كما عرف العرب في غربتهم بأحاسن الأخلاق بين أجناس الأقوام والشعوب التي يعيشون بينها من أفعال المكارم والآداب والأخلاق الرفيعة المستمدة من تراث مليئ بالقيم والمبادئ والأعراف العربية والأصيلة المؤيدة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهي سمة لوجود الإنسان الأصيل في الحياة.
وتلك الصفات والأخلاق هي التي دفعت مغدور الثمامة " العنزي " بأن يقل ذاك الوافد المغترب لأرض الحرمين للبحث عن لقمة العيش والرزق الحلال "كما يدور في خلد العنزي" ليقيه في ذلك من شدة البرد وتأمين حياته من التعرض لوحوش الصحراء، أو للتقلبات الجوية مما يجعل حياته وصحته في خطر مؤكد، لوجوده في منطقة صحراوية، فقد كان هذا همه وتفكيره، لعله يكسب من وراء ذلك الأجر والإحسان، قربة إلى الله – سبحانه وتعالى –.
إلا أن يد الغدر كانت له بالمرصاد "والآجال مكتوبة لا مفر منها" وهي صفة تدل على خسة نفس المغترب الغادر، الذي يفترض أنه خرج من وطنه وترك أهله للبحث عن لقمة العيش والكفاف، إلا أن حقارة نفسه وخستها، وتخصله بخصلة من خصال النفاق التي حذرًا منها رسول الهدى – عليه أفضل الصلاة والسلام – عندما قال : (أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا؛ ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) فأي شيء أقبح من هذا الفعل، وأي عار بعد هذا العار الذي تلبسه هذا المغترب وألبسه أهله ووطنه؟؟
وأين هو من الله – عز وجل – خصيمه يوم القيامة (قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) وفي الحياة الدنيوية فهو مذموم لدناءة فعله وقبح صنيعة ومخالفته ما ترومه النفوس السليمة، وما ينتظره في الآخرة أشد، إذ سيفضحه الله على رؤوس الأشهاد يوم العرض الأكبر.
والمسلم ينتظر منه الوفاء بالعهد امتثالاً لما أمرت به الشريعة الإسلامية، فقد قال رسولنا – صلى الله عليه وسلم – (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدةً، ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء) فهذه خُلق الإسلام وتعاليمه لأمة الإسلام إلى قيام الساعة.
ولكن للأسف اليوم تعيش مجتمعاتنا العربية فوضى وبعد عن تعاليم الإسلام ووصاياه التي حض إليها، لتغرق في انحلال الأخلاق ومكارمها، وتتيه في سراديب الغي والظلال والغدر والخيانة ونقض الأمانة ونبذ كل خلق كريم، متأثرة بما يستهدفها من غزو فكري وتغريب أخلاقي، وصرف عن شعائر الدين، لتتعمق مع بعد الأمة عن دينها وتعاليمه، لتندثر أخلاق المجتمعات وتسودها حياة الغاب.
فقد اجتمع على الأمة ضعف الوازع الديني الذي هو صمام أمانها من التأثر بما تبثه تلك القنوات الفضائية من مسلسلات فحش وزنا ورذيلة وجريمة وفساد أخلاقي جرف المجتمع عن كل فضيلة وأمن وأمان، ليعيش في خوف وقلق وعدم استقرار، وبالطبع هذا كله مخطط ومدبر من أعداء الإسلام والأمة، ويعملون ليل نهار لتفتيت المجتمعات المتماسكة والآمنة المطمئنة، لتكون لقمة سائغة في أيديهم ليعثوا فيها فسادًا كيفما شاءوا.
وما عنا ببعيد ما تطالعنا به وسائل الإعلام بين لحظة وأخرى من وقوع جريمة هنا أو هناك، وحادثة غدر ابن الكنانة لأبن الوطن؛ هي امتداد لهذا الغزو الذي استهدفت به الأمة، لتتحقق الخيانة والغدر من مسلم لمسلم بعد وقفة وفاء وكرم وشهامة، مع ضعف النفس ودنو غايتها واستسلامها للهوى والشيطان، رغم غربته وانتظار أهله لعودته ليحقق لهم ما خرج من بلاده من أجله.
ولم يكن يومًا الاغتراب مرضًا يؤدي بصاحبه إلى الانحراف؛ بل هو مسؤولية يتحملها على عاتقه لرسم صورة مشرقة عن دينه ووطنه وعرقه وانتمائه الفكري، لكونه سفيرًا لتلك الارتباطات التي يرتبط بها لرسم صورة مميزة عنها لدى الآخرين في البلاد التي يعيش غربته على ترابها، ولمن يلتقي بهم من المغتربين من أوطان أخرى، ولكنه لم يعي ما يحمله على عاتقه من مسؤوليات، ولم يدرك أنه سفيرًا يترقب الناس كل حركاته وسكناته.
وكم نحمد الله – سبحانه وتعالى – على ما وفق إليه رجال أمن هذه البلاد المباركة من قدرة على تحديد هوية الغادر، وتحديد موقعه وإلقاء القبض عليه في وقت قياسي، وإن دل هذا فإنما يدل على أن الله – عز وجل – حافظ هذه البلاد وشعبها، وناصر المظلوم، ومخاصم للغادر عن المغدور، فالحمد الله أولاً وأخيرًا.
ولا نقول هنا إلا إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا لله ونعم الوكيل، ونقدم التعازي لقائد هذه البلاد ولشعب الوطن الغالي، وإلى أسرة الفقيد؛ فأحسن الله العزاء وجبر المصاب في فقد الوطن لأحد أبنائه الشجعان الكرام على يد غادر خان الأمانة وأنكر الجميل وسلم نفسه للهوى والشيطان.
شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
18/1/1433هـ
نشرت تلك الشذرات في صحيفة أثير الإلكترونية
0 التعليقات:
إرسال تعليق