2011/12/27

إنها فوضى وليست ربيعًا !!!

شذرات قلم
إنها فوضى وليست ربيعًا !!!
يحلو للكثيرين أن يطلقوا على ما يعصف بالعالم العربي بـ "الربيع العربي" ولا أعرف من أين أتوا بهذا التعريف؟
وذلك لأن حقيقة ما يحدث هو منافي للأجواء الربيعية التي يأنس أن يستنشق أنفاسها كل إنسان؛ فشتان بين رائحة الزهور وعبقها العطري الفواح، وما هو على أرض الواقع من رائحة الدماء والدخان والقتل والخوف والجوع والسلب والنهب والتشريد للأسر والعائلات وفقدان الأبناء والبنات، وتدمير البنية التحتية لتلك الدول وتفكيك جيوشها والقضاء على ترسانتها العسكرية ونظامها السياسي والمدني؛ فحقيقة الواقع هي الفوضى بعينها لا صلة لها بالربيع.
نعم إنها الفوضى!!

ولكن من يقف ورائها؟
ومن هو المستفيد من هذه الفوضى؟
لا يخفى على أحد أن الأرض العربية تحتل موقعًا استراتيجيًا حول العالم!!
وكذا فهي تحتضن في باطنها من الخيرات ما الله به عليم!!
كما أنها تحتضن على ظهرها عقولاً نيرة أبهرت الغرب والشرق بما تمتلكه من قدرات خارقة ونادرة!!
ناهيك على ما تشكله من حلقة وصل بين الشرق والغرب وسيطرتها على أهم الممرات المائية في العالم!!
فضلاً عن ما تشكله من تهديد مباشر لأمن واستقرار دولة الصهيونية في أرض فلسطين المغتصبة!!
ومن هذه النظرة السريعة لما تمتلكه الأرض العربية من موقع وممتلكات لا تتوافر لغيرها من دول العالم والشعوب؛ جعلها بلا شك محط أنظارهم وأشغلت تفكيرهم للسيطرة عليها بأي شكل من الأشكال!!
وخير دليل على ذلك ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية وأيدها في ذلك الغرب؛ من عزمها إلى إعادة تشكيل المنطقة العربية، تحت مسمى ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد، وبالطبع هذا التشكيل سوف يعمد إلى إعادة تقسيم الدول، وتقسيم المقسم، وتقسيم التقسيم؛ حتى تختلط الأوراق والأعراض والأعراف؛ ويعيش العالم العربي في فوضى وصراعات داخلية وحروب أهلية ودماء وقتل وتشريد، والانشغال بذلك دون الانشغال بما هو أهم، من التطوير ومشاريع التنمية والتقدم العلمي والتقني والتكنولوجي.
ودخول الجيوش الأمريكية وغيرها لتفعيل هذا المشروع أمر مستحيل وصعب للغاية بالنسبة لهم؛ لما سوف تلاقيه من مقاومة عربية، لذا فإنه ليس أمامهم إلا أن يعثوا في الأرض والأمة العربية فسادًا بتشجيع مثل تلك الثورات ودعمها وتأجيجها وإفشال أي حل لها بزرع الخلافات بين أبناء الوطن الواحد، وإحياء الطائفية وإذكاء العرقية والقومية وتمزيق اللحمة الوطنية، والتذكير بالأقليات وما عانوا منه من تمييز وسلب للحقوق، وتفخيم الأمور وتكبير الصغير؛ حتى يتناحر أهل البيت الواحد ويعيشوا في صراع لا يمكن السيطرة عليه، حتى يهلك الجميع لتأتي وتفرض ما تريده واقعًا على الجميع، وما عنا ببعيد ما حدث في السودان من تقسيمه وزرع فتيل الحروب الأهلية والدمار فيه!!!
وهذا كله من أجل مستقبل الدولة العبرية التي تجثم على أرض فلسطين المغتصبة، فبعد النجاح الباهر في القضاء على العراق وإقامة دولة ضعيفة وهشة ترتكز على الصراعات الداخلية والخلافات البينية على المناصب والحقائب الوزارية والمصالح الشخصية والمكاسب الطائفية وكل هذا على حساب المصلحة الوطنية الكبرى لتبقى الخلافات والصراعات والفوضى تنخر في هذا الجزء من الوطن العربي والانشغال بجروحه بدلاً من الانشغال بنمو الوطن وتحرير أرض فلسطين من المغتصب الصهيوني، التي نادى بها صدام حسين.
من المؤكد أن تعمد كل الدول المستفيدة من هذه الفوضى إلى زرعها ونشرها في الوطن العربي كاملا؛ انطلاقًا من تونس ومرورًا في مصر وليبيا واليمن وسوريا، تحت مظلة "الربيع العربي" وثورة الشعوب المزعومة، دون الالتفات إلى الإصلاح ومعالجة الأمور سلميًا وحلها تدريجيًا، بل أزكت روح الفوضى لينزل الناس للشارع ويتقاتلون فيما بينهم؛ كل يدافع عن فريقه ومطالبه الوهمية، ليهلك الجميع في نار ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، ولا يعلم من قتل لماذا قتل ولا من القاتل ولا المقتول!!!
وعمد الغرب إلى تدمير الترسانة العسكرية الليبية كاملة، والبنية التحتية لها قبل أن يقضي على زعيمها القذافي؛ دليل على رغبته الجموحة في أن يظل هذا البلد تحت رحمتهم سنين طويلة ليستنزفوا خيراته وقدراته، كما أنهم عمدوا إلى تعميم التجربة الأمريكية في العراق في ليبيا بإشعال جذوة الصراع الداخلي بين الأحزاب السياسية والدينية والقبلية لتضل في صراع طاحن، وتخلق عراق وأفغانستان وصومال وسودان جديد فيها، لتتفرغ تلك الدول في نهب ثرواته وعقول شبابه وكل مقدراته، وفي الوقت نفسه تضمن أمن واستقرار إسرائيل والوجود الصهيوني في قلب الأمة العربية.
ومن جهة هل من مدرك لما يحاك بالأمة العربية من أبناء العرب الذين نزلوا الميادين وجابوا الشوارع تحت مسمى "الربيع العربي" والثورات من أجل الحرية والديمقراطية؟
أم أنا شباب الأمة مغرر بهم ويهرولون سكرى؛ تحركهم خيوط المستعمر الأجنبي للقضاء على لحمتهم الوطنية، وكسر شوكة قوتهم العربية، ليتيهوا في سراديب التآمر على الوطن العربي ذا الاقتصاد المتين المستقر الذي يستطيع الاعتماد على نفسه والاكتفاء الذاتي في كل المجالات بما وهبه الله من أنعم وخيرات، العالم الغربي بأمس الحاجة إليها.
ولعل الشباب هنا يعي ويتذكر أنه كان هناك أحزاب سياسية في الدول العربية، ولكن اليوم أصبح كل حزب بالسابق أحزاب، وتم تقسيم تلك الأحزاب على أساس طائفي وعرقي ومذهبي وديني؛ بل أننا أصبحنا نقسم الدول والحكومات العربية على هذا الأساس، فأصبح اليوم لدينا توليفة من المتناقضات من أكراد وعرب وأمازيغ ومسلمين ومسيحيين وأقباط وسنة وإخوان مسلمين وسلفيين وشيعة وصوفية وعلويين ودروز ومهاجرين، وغيرها من المتناقضات التي تديم حالة الصراع الداخلي في البيت العربي، ولا شك أن هناك من يعزز الغرب في إذكاء تلك الفوضى داخل الوطن العربي، وهي دولة الفرس الرافضية في إيران التي أخذت في التغلغل في الوطن العربي وإثارة أبناء الشيعة ضد حكوماتهم التي يعيشون فيها بأمن وسلام وخير وارف، لتسابق الغرب في تحقيق مكاسبها داخل الوطن العربي، تحت ستار نصرة الشيعة المستضعفين والمضطهدين داخل تلك الدول؛ حسب زعمهم وشعارهم الذي ينادون به، ويكون هؤلاء المواطنين من شيعة العرب لعبة قذرة تحركها حكومة فارس لتحقيق ما ترمي إليه، وتنفث سمومها الرافضية لإقامة دولة فارس العظمى، كما يسعى الصهاينة لإقامة دولة إسرائيل العظمى.
فهل نعي وندرك ذلك؟
ومتى نفيق ونعود لبناء بيتنا الإسلامي العربي الكبير؟
ومتى نتصالح مع أنفسنا لندرك أننا عود ثقاب بأيدي الأعداء لتدمير أوطاننا وتسليمها سهلة لهم؟
ومتى نتعرف على حقيقة من يعتلون المنابر اليوم وينادون بشعارات زائفة لعالم عربي جديد؟
ومتى نعي نتيجة هذا الانفلات الأمني الجاثم على صدر الأمة العربية؟
وهل حان الوقت بنا لنعي ذلك وندركه لنعود للحفاظ على بلادنا وتطهيرها (وفق ما قال معمر القذافي) شبر شبر، ودار دار، وبيت بيت، وزنقة زنقة؟؟؟
هل حان الوقت لننتفض على تلك الثورات (والفوضى الخلاقة) التي تقوم وترتكز على العنف المسيس الذي فصله الأعداء ولبسناه منبهرين برونقه وشعاراته البراقة، قبل أن يحل بنا ما حل في أفغانستان والصومال والعراق والسودان، ونعود إلى رشدنا لنخلق بيئة مبشرة بأفق مشرق بكل خير وسعادة للأمة العربية والإسلامية؟
وهل سوف نفيق من غفوتنا العميقة في أكذوبة "الربيع العربي" ولنثور في جمع كلماتنا وترتيب بيتنا من الداخل لننهض في الصناعة والتقنية ومسابقة العالم أجمع في التكنولوجيا والمعلومات، ونعيش الواقع الحقيقي بدلاً من العيش خلف سراب مهلك؟
الشعوب تدرك ما تريد ولكنها خدعت بشعارات براقة زيفها لهم الأعداء، ليحققوا ما يريدون بأيدي الشعوب العربية، لتخلوا لهم الساحة من بعد ويكتموا على أنفاسهم باستعمار جديد متحضر بالحضارة الغربية القائمة على المصالح الشخصية والعنصرية الغربية التي تؤمن بالعنصرية وتحرمها على الشعوب؛ بثوب وآلية وهمجية جديدة، أبطالها وضحيتها الشعوب العربية، والمستفيد هم صناع "الربيع العربي" والخاسر بلا شك هي الأمة العربية.
شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
1433/1/30هـ

2 التعليقات:

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع الجميل ومشوق... بارك الله فيكم يا شباب

    ردحذف
  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع الجميل ** بجد موضوع جميل ومشوق... بارك الله فيكم يا شباب

    ردحذف