2011/12/13

الهيئات والصهيونية

شذرات قلم
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصهيونية



جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما هو معلوم هو صمام الأمان للمجتمع، وهو القاعدة الصلبة التي تبنى عليها الحضارة والدولة والأمة، وما ذلك إلا لأن الأمربالمعروف والنهي عن المنكر يدخل في كل أمر من أمور الحياة الظاهرة والباطنة؛ وشرائع الإسلام والإيمان بالله – عز وجل – فبه تكون النجاة – بإذن الله – وبه يقع الخير والإحسان والإخلاص والوفاء والصلة والتواصل ومكارم الأخلاق.

وفي الوقت نفسه هو الحامي – بإذن الله – من الشرك بكل أنواعه والكبائر، وأكل أموال الناس بالباطل، والبعد عن المحرمات بكل أنواعها، والعقوق وقطيعة الرحم، والبدع والخرافات والمنهيات.

وفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صفة جميلة من الصفات التي يمتدح بها الإنسان متى ما قام به، وتلك الصفة تسمو وفق سمو المرتبة التي يمارس بها هذا الأمر ، فأعلاها الإنكار باليد، وأدناها الإنكار بالقلب.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يكون بالحكمة والرفق والحلم واللين والصبر، وبالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، والمجادلة بالتي هي أحسن، بكل عقل وروية بالغة، من خلال كل سبل وطرق ووسائل الخير المؤدية لإقامة هذا الأمر.

فلما اتصفت بهذه المزية التي اختص الله بها أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من صفات جعلتها تقف عقبة في طريق كل ما يخالف شرع الله – سبحانه وتعالى – ويؤكد دعامات الأمة ويقودها إلى بر الأمان والنجاة والطمأنينة، ويحميها من الأخطار العظيمة والفساد الكبير، ويجعلها ترتقي للقمم وتتقدم للمعالي وتسود الأمم وتحكم العالم.

الأمر الذي يعارض مصالح الصهيونية العالمية ومطمعها في السيطرة على العالم فأيقضها من مضجعها وجعلها تفكر وتخطط لمنع حدوث ذلك، ولمعرفتها بأن تلك المزية هي الحاجز الأول أمامها في الوصول إلى الشعوب الإسلامية، والسيطرة عليها وسلب مقدراتها ومكتسباتها، بدأت بالتخطيط والتفكير من خلال جيوش من العقول المتمكنة، في إعداد الخطط والبرامج التي تستطيع من خلاله كسر هذا الحاجز المنيع، فما كان منهم – لعنهم الله – إلا أن صبوا نيران غضبهم، وسلطوا كامل أسلحتهم وعددهم وعتادهم للقضاء على هذا الجهاز، عبر كل السبل والطرق والأساليب الممكنة؛ لأنه بالقضاء عليه وزلزلته يصبح الطريق أمامهم سهل للقضاء على البقية الباقية من الأجهزة الأخرى.

ومن المؤسف أنهم عندما لم يستطيعوا النيل من هذا الجهاز مباشرة، اتجهوا إلى تسخير عقول وأقلام حفنة من أبناء المسلمين المنحرفين والمغرر بهم، للوقوف بدلاً منهم في وجه هذا الحصن العظيم، والنيل منه بكل السبل، وفق توجيهاتهم وخططهم التي رسموها لهم "سواء كان ذلك التسخير بشكل مباشر أو غير مباشر" .

فقد أطلقوا عليه الشرطة الدينية؛ للتقليل من شأنه أمام الناس ولرسم صورة مشوهة عنه، بأنه جهاز تسلطي يبطش بغير وجه حق ويتدخل في ما لا يعنيه، كما تجدهم يعمدون إلى إظهار عيوب هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتارة بالتشكيك بقدرات هذا الجهاز، وتارة بالطعن بالمنتسبين إليه، وتارة بالتضخيم مما يقع فيه من أخطاء فردية، وتارة بتحميله المسؤولية عند حدوث أي كارثة أو أمر معين، وتارة بالتقاعس والتخاذل عن القيام بالواجب، وتارة بالتوبيخ وأن ما قام به ليس من اختصاصه وإنما هو من اختصاص جهات أخرى، وتارة وتارة وتارة؛ في كل أمر يساهم في تشويه الوجه الحسن ويعكس صورة سلبية عن هذا الجهاز الحيوي والمهم في حياة الأمة.

إن جسد الأمة الإسلامية واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأمة بالذود والحماية وبذل النفس الزكية رخيصة لنيل شرف الشهادة في سبيل الله وتأمين دعامة من دعامات الدين من الخدش أو الإنهيار.

وهذا الأمر الذي يجب أن يعرفه ويعلمه أبناء صهيون "وإن كانوا يعلمون ذلك جيدًا وهو ما يقلقهم ويزعجهم، لذا فهم يسعون إلى زرع روح الفتنة والفرقةبين أبناء الأمة الإسلامية".

ولكن المشكلة أن كثير من أبناء الأمة الإسلامية لا يعون حقيقة ذلك الأمر، ولم يفهموا ما تقوم به الصهيونية من دور فاسد وخبيث لزلزلة عرش الأمة والقضاء عليها، وهدم أركان دولتها وتشريد أفرادها والسيطرة على مقدراتها البشرية وثرواتها الهائلة، فالصهيونية العالمية ويعاضدها في ذلك الماسونية والعلمانية " وغيرها من الأذناب والأتباع من ملل الكفر الأخرى " يعملون على تأصيل أسباب ضعف المسلمين وتمزيق شملهم وتفريقهم بين الأقطار، وكسر شوكتهم وتبديد كلمتهم وقطع كل حبال التواصل بينهم؛ بل وثني عزيمتهم وإذلالهم وتسكينهم بالمخدرات والمثبطات تحت أي مسمى، كـ : الإنشغال بالموروث الذي خلفه الأباء والأجداد من أحجار ومنسوجات وتراهات لا تغني ولا تسمن من جوع، والعمل على توثيقها وتعريف الأجيال الحاضرة والقادمة بها، والجري خلف الألعاب الرياضية، والأفلام السينمائية والمخرجات الدرامية، واللهث خلف سراب تسامح الأديان وتقارب المذاهب والعيش تحت قبة القوميات العرقية واللغوية والجغرافية، وغيرها من السخافات التي أقعدت الأمة عن معرفة الكثير من الحقائق مما يحاك بها.

التبس الأمر على أفرادها، وأصبح للباطل وجه قبول، بحجة أن لكل أمر وجه أخر يجب التعرف عليه، حتى كادت الرذيلة تسيد في المجتمعات دون إنكار، بل تجد من يدافع عنها وينافح من أجلها بكل قوة واقتدار، حتى صار يخيل إليك أن تلك الرذيلة معروفًا لكثرة الناعقين بها، والمطبلين لها عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ بل في المجالس العامة والخاصة – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – .
ومما زاد الطينة بلة؛ أن من أنكر عليهم اتهموه بالرجعية وبالتطرف والغفلة والخروج على الأمة وكبت الحريات الشخصية، وما إلى ذلك من النعوت الساقطة الواهية، التي بلا شك هي من إملاءات أبناء صهيون ضد أهل الإسلام.
إن رسالة الإسلام الخالدة؛ جاءت محررة للإنسان من كل أنواع الانحراف في الفكر والسلوك والمعتقد والظلال والأوهام ومواطن الظلمة والزلل والخرافة والبدعة، وكل ما يخالف الشريعة الإسلامية الصافية، ليكون عابدًا لله وحده، وفق ما به أمر وما عنه نهى – جل في علاه – وليبتعد المسلم عن الشهوات ومطامع الحياة وملذاتها، ويهذب نفسه من الحقد والعدوان والانحطاط والانجراف في مسالك الغي والظلال، الذي يبعد عن المنهج الرباني السوي.

إن الشريعة الإسلامية حاضنة لكل مشاعر وعواطف وأعمال وممارسات المسلم، ليكون مؤمنًا صادقًا، وإنسانًا مسؤولاً في أمته ومجتمعه في هذه الحياة، ويحمل الأمانة التي قبل تحملها؛ بكل اقتدار، وفق المنهج الرباني الصحيح، دون ازدواجية في المسؤوليات أو تناقض فيها.

والوصول إلى هذه الدرجة من الإيمان والنشوة بالإسلام، ليست هينة بل هي صعبة وطريقها ملئ بالمنحدرات والمنعطفات، التي هي محل اختبار وابتلاء من الله لعبادة، ليصبروا ويتماسكوا متوكلين على الله – سبحانه وتعالى – ليظفروا بالنصر والفوز بالجنة وبالدرجات العالية.

ورغم كل ما قام به الصهاينة من حرب ضروس على هذا الجهاز الحيوي والمهم في حياة الأمة، ورغم ما غرسوه في عقول وتصرفات شباب الأمة؛ من كبرياء وغرور وغطرسة وقلب للمفاهيم السوية، وترسيخ للأنانية وحب الذات ونكران الجميل والبعد عن الله بالمغريات والشهوات والمفسدات والفضائيات والنساء والفتن.
رغم هذا كله ؛ إلا أنهم لم يستطيعوا أن يسيطروا على الأمة الإسلامية رغم كل الذل والهوان والخنوع الذي أوصلوهم إليه عبر السنوات؛ بل القرون الطويلة من مشوارهم في هذا المشروع الإركاعي للأمة الإسلامية، إلا أنهم لم يستطيعوا ولم يتمكنوا من تحقيق ما خططوا له وصبوا إليه، فكل ما بين فينة وأخرى وإذا بالأمة الإسلامية تصحوا من غفوتها وتنشوا من كبوتها، فتفسد هذه الإفاقة القصيرة كل ما عملوه من فساد ودمار خلال سنوات طويلة، وتعيد الأمة إلى مسارها الصحيح ومكانتها الشامخة وعزها التليد.

وهذا دليل على أن هذه الأمة منصورة بإذن الله – جل في علاه – ما دامت متمسكة بهذا الدين الحنيف مرتبطة به قولاً وعملاً.

لذا فلا بد من عمل دؤوب وحركة متواصلة للأمة الإسلامية، للعودة إلى دينها والتمسك به والحفاظ عليه ومعرفة ما يحاك ضدها من الصهاينة ومن ناصرهم، عبر كل القنوات الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية، والتعرف على كل الظروف المتحكمة بالمجتمعات والقوى المؤثرة فيها، للوصول إلى الغاية الربانية من خلق الخلق، وهي عبادة وحدة على نور وبصيرة وفق ما شرع – سبحانه وتعالى –.
وكل ذلك مرتبط بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو من أهم التكاليف لهذه الأمة وبه طوق نجاتها، وعليه محمل عبورها إلى شاطئ الأمان بإذن الله – تعالى – لتكتمل الحياة بتطبيق الشريعة الإسلامية الحنيفية الصحيحة، عقيدة ومنهجًا وسلوكًا.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأن يثبت القائمين والعاملين في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر، وأن يرزقنا وإياهم الإخلاص في القول والعمل، كما نسأله – سبحانه وتعالى – أن يوفق ولي أمرنا وولاة أمورالمسلمين، على إعانة القائمين على هذا الجهاز بالدعم المادي والعيني والمعنوي وتسهيل كل أمورهم وإقالة جميع العثرات التي قد تقف في طريقهم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

ودمتم بحفظ الباري ورعايته



شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
الرياض
6/2/1431هـ

0 التعليقات:

إرسال تعليق